الجمعة 23 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

الشيخ الصفار: الرضا والغضب.. اختبار أخلاقي يكشف مستوى الإيمان والوعي

جهات الإخباريةالجمعة 23 أكتوبر 2026، 3:07 م
الشيخ الصفار: الرضا والغضب.. اختبار أخلاقي يكشف مستوى الإيمان والوعي

قال الشيخ حسن الصفار: إن الرضا والغضب من المشاعر اليومية التي يعيشها الإنسان، وأن الارتقاء الأخلاقي يقتضي ضبطهما بالحق والعدل، وعدم إخضاعهما للأهواء والمصالح الشخصية، مشددًا على أهمية أن يكون الغضب انتصارًا للقيم والمبادئ، لا للنفس ومكاسبها.

وتابع: إن الوعي الحقيقي لا يُقاس بمجرد ما يرضي الإنسان أو يغضبه، بل بقدرته على جعل مشاعره منضبطة بالحق، ومواقفه منحازة إلى العدل، بحيث لا يكون الرضا بابًا لتأييد الباطل، ولا الغضب ذريعة لتجاوز الحدود.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الرضا والغضب بين الذات والقيم.

وأوضح الشيخ الصفار أن المنفعة الذاتية تمثل الدافع الأساس للرضا والغضب في كثير من المواقف، فالإنسان يرضى عمن يحترمه ويحسن إليه، ويغضب ممن يسيء إليه أو يعتدي على حقوقه، كما يفرح بما يحقق مصالحه، وينزعج مما يضر بها.

وتابع: إن هذه المشاعر طبيعية، لكنها تحتاج إلى الموضوعية والانضباط، حتى لا تتحول التوقعات المبالغ فيها من الآخرين إلى مصدر دائم للامتعاض، أو يصبح أدنى نقد أو اعتراض سببًا للانفعال والانتقام.

واستشهد بقول الإمام جعفر الصادق

: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ، وَإِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ»، مبينًا أن المؤمن الحق لا يسمح لغضبه أن يدفعه إلى تجاوز الحق، ولا لرضاه أن يجعله ينحاز إلى الباطل.

الرضا والغضب القيمي

وبيّن أن هناك دافعًا أرقى من المنفعة الذاتية في حالتي الرضا والغضب، يتمثل في الدافع القيمي، حين يصبح اهتمام الإنسان بتحقق القيم النبيلة وحمايتها في المجتمع بمستوى اهتمامه بمصالحه الشخصية.

وتابع: إن صاحب الوعي القيمي يشعر بالرضا أمام مظاهر الخير والصلاح، ويسعى إلى تعزيزها، كما يغضب لانتهاك القيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، ويبادر إلى الإصلاح والتغيير.

وحذّر من أن فقدان الاهتمام بالقيم والمبادئ يفضي إلى اللامبالاة الأخلاقية، ويهدد استقرار المجتمع، إذ إن تراجع الحسّ القيمي يفتح المجال أمام انتشار الظلم والفساد.

ولفت إلى أن ارتفاع مستوى الوعي القيمي والالتزام الأخلاقي يجعل الإنسان أقل تمحورًا حول ذاته، وأكثر ارتباطًا بما يرضي الله ويحقق الخير للناس، وهو ما تعبّر عنه النصوص الدينية بمفاهيم الحب في الله، والبغض في الله، والغضب لله.

واستشهد بقول رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ»، مؤكدًا أن اكتمال الإيمان يظهر في تحرر المشاعر والمواقف من الهوى، وارتباطها بالحق والقيم الإلهية.

رضا الزهراء وغضبها

وبمناسبة قرب ذكرى وفاة فاطمة الزهراء استحضر ما عانته من آلام الفقد والمصائب بعد رحيل أبيها، وما رُوي عن إتيانها قبره وأخذ قبضة من ترابه وشمّها والبكاء، في صورة تجسد عمق حزنها ومصابها.

وتناول الشيخ الصفار دلالة الأحاديث النبوية الواردة في منزلة السيدة الزهراء ، ومنها قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ وَيَرْضَى لِرِضَاهَا»، وقوله: «فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».

وأشار إلى أن فهم هذه الأحاديث يرتبط بإدراك طبيعة رضا الزهراء وغضبها، باعتبارهما منطلقين من الحق ومصلحة الرسالة والأمة، لا من الأهواء والمصالح الشخصية.

وتابع: إن السيدة فاطمة الزهراء بلغت من صفاء النفس وصدق الإيمان مرتبة صار معها رضاها علامة على رضا الله، وغضبها علامة على غضبه، بما يعني أن مشاعرها ومواقفها منضبطة بما يحبه الله ويرضاه، وهو ما يعبّر عنه بمقام العصمة.

وفي هذا السياق، طرح الصفّار تساؤلًا حول غضب الزهراء بسبب قضية فدك بعد وفاة أبيها رسول الله ﷺ، وما إذا كان ذلك الغضب نابعًا من خسارة منفعة شخصية، أم من موقف يتصل بالحق والعدل ومبادئ الرسالة.

وأشار إلى أن النظر في هذه القضية ينبغي أن يستحضر مكانة الزهراء وما ورد في الأحاديث النبوية بشأن رضاها وغضبها.

واستشهد بما نقله ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري من حديث النبي ﷺ لابنته قبيل وفاته: «أَحْسَبُ أَنِّي مَيِّتٌ فِي عَامِي هَذَا، وَإِنَّهُ لَمْ تُرْزَأْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِثْلَ مَا رُزِئْتِ، فَلَا تَكُونِي دُونَ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا».