السبت 24 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

طَهُرْنَا بِوِلَايَتِكِ

أنيس آل دهيمالسبت 24 أكتوبر 2026، 3:39 م
طَهُرْنَا بِوِلَايَتِكِ

كلما تأملتُ زيارة السيدة فاطمة الزهراء

، وجدتُ في كلماتها ما يدعوني إلى الوقوف مع نفسي. أقرأ السلام عليها، وأستحضر منزلتها ومظلوميتها، ثم أتساءل: ماذا صنعت هذه المعرفة في أخلاقي؟ وكيف ينعكس هذا الحب على معاملتي لأهلي وأبنائي والناس من حولي؟

أعتقد أننا بحاجة إلى هذه الوقفة، خصوصا حين نحرص على تعليم أبنائنا نصوص الزيارات والأدعية. فمن الجميل أن يحفظ الابن كلمات الزيارة، وأن يأنس بقراءتها، ومن مسؤوليتنا أن نساعده على فهم معانيها، وأن يجد في سلوكنا ما يقرّبها إليه. وحين نتأمل هذه الزيارة من زاوية تربوية، نجد أمامنا معاني تستحق أن نصحبها معنا إلى تفاصيل حياتنا.

تستوقفني في بدايتها عبارة: «فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صَابِرَةً». فالصبر من أكثر القيم التي نحتاج إليها في تربية أنفسنا وأبنائنا. نحن نريد لأبنائنا أن يتعلموا، وأن يحسنوا الاختيار، وأن يتحملوا المسؤولية، لكننا قد نضيق بتكرار أخطائهم، أو نستعجل نضجهم، أو نطالبهم بما لم نمنحهم الوقت الكافي لفهمه.

وأرى أن المربي يحتاج إلى أن يراجع صبره قبل أن يطالب أبناءه به، فكيف أعلم ابني ضبط الغضب وهو يراني أرفع صوتي عند كل خلاف؟ وكيف أنتظر منه أن يحسن الاستماع وأنا أقاطعه قبل أن يتم حديثه؟ إن التربية تضعنا نحن أيضا أمام امتحان يومي، تظهر نتيجته في اللحظة التي نتعب فيها، أو نختلف، أو نجد الأمور تسير على غير ما نريد.

ومن معاني الصبر التي ينبغي أن نقربها إلى أبنائنا أن الإنسان قد يحزن، وقد يبكي، وقد تثقل عليه بعض المواقف، وهو مع ذلك يحفظ إيمانه وصلته بالله. فحين يأتي الابن متألما، يحتاج إلى من يسمعه ويحتويه، ثم يعينه على مواجهة ما يمر به. وكثيرا ما تكون الكلمة الرحيمة بداية لاستعادة قوته وقدرته على الاحتمال.

ثم أصل إلى قولنا: «وَزَعَمْنَا أَنَّا لَكِ أَوْلِيَاءٌ وَمُصَدِّقُونَ»، فأجدني أمام مسؤولية ما أعلنه بلساني. نحن نحب أهل البيت

، ونفرح بذكرهم، ونتألم لما أصابهم، وهذه المحبة تحملنا إلى سؤال صريح عن مقدار وفائنا للقيم التي نؤمن بها.

قد يظهر الجواب في موقف صغير داخل البيت، في وعد قطعته لابني ثم شغلتني عنه أموري، أو في حكم أصدرته قبل أن أسمع منه، أو في كلمة قاسية قلتها وأنا غاضب. تلك المواقف تستحق المراجعة، لأن أبناءنا يتعرفون إلى معنى الأخلاق من خلال ما يعيشونه معنا.

ولهذا أرى أن اعتراف الأب بخطئه من أبلغ دروس التربية. حين أقول لابني: «لقد تسرعت في الحكم عليك، وأعتذر إليك»، فإنني أعلمه كيف يتحمل الإنسان مسؤولية كلمته، وكيف يصلح ما أفسده. وأمنحه في الوقت نفسه الأمان الذي يساعده على الاعتراف بخطئه حين يقع فيه.

وفي تكرار السلام على السيدة الزهراء ، أجد ما يدعوني إلى التأمل في أثر لساني على الآخرين. فكم تحتاج بيوتنا إلى كلمة طيبة، وإلى حوار هادئ، وإلى مساحة يستطيع فيها الصغير أن يسأل ويختلف ويشرح ما يشعر به، وهو مطمئن إلى أن كرامته محفوظة.

كثيرا ما نختلف مع أبنائنا في تصرف أو اختيار، وقد نحتاج إلى الحزم معهم، لكن الحزم يحتاج إلى عدل وحكمة. فمن حق الابن أن يفهم سبب رفضنا، وأن يعرف ما ننتظره منه، وأن نعينه على تصحيح سلوكه. أما الكلمات التي تحكم عليه بالفشل أو تقلل من قدره، فقد تبقى في نفسه طويلا، ويستعيدها كلما حاول أن يثق بقدرته.

وحين نقرأ في الزيارة: «السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمَظْلُومَةُ الْمَغْصُوبَةُ»، فإن التأثر بهذه المظلومية يدعونا إلى الانتباه للحقوق القريبة منا. فقد يقع الظلم في تفضيل ابن على آخر، أو في مقارنة جارحة، أو في استغلال ضعف إنسان لا يستطيع الدفاع عن نفسه. فمن واجبنا أن نعلم أبناءنا إنصاف الآخرين، وأن نبدأ بإنصافهم نحن. فإذا شكا الابن، سمعناه، وإذا أخطأ، قوّمناه بقدر خطئه، وإذا أصاب، اعترفنا بصوابه.

وتحمل صفات «الصِّدِّيقَةُ» و«التَّقِيَّةُ النَّقِيَّةُ» معاني تدعونا إلى العناية بضمير الإنسان. فنحن نرجو أن يصدق أبناؤنا ويحفظوا الأمانة في حضورنا وغيابنا. وهذا يحتاج إلى حديث يفهمون به قيمة الصدق وأثر الخيانة، وإلى علاقة يجدون فيها عونا على الإصلاح إذا تعثروا.

ويؤلمني أن يخاف الابن من قول الحقيقة لأنه يتوقع إهانة أو غضبا لا يستطيع احتماله. إننا نستطيع أن نعلمه تحمل نتيجة خطئه، مع تقدير شجاعته في الاعتراف به. وبذلك نفتح أمامه طريق العودة، ونساعده على أن يبني ثقته بنفسه على الصدق وتحمل المسؤولية.

وعند ختام الزيارة، في قولنا: «بِأَنَّا قَدْ طَهُرْنَا بِوِلَايَتِكِ»، أجد دعوة إلى مراجعة ما يحتاج إلى تهذيب في داخلي: غضب أتساهل معه، أو قسوة أبررها، أو تقصير اعتدت عليه. وتبدأ الاستجابة حين أحدد شيئا من ذلك وأعمل على إصلاحه، ثم أعود إلى نفسي فأحاسبها برفق وصدق.

إنني أرجو حين أقرأ زيارة الزهراء أن أخرج منها أكثر انتباها لمن حولي. عندها يكون لما نقرؤه امتداد في حياتهم، وتصبح الزيارة موعدا نعود فيه إلى أنفسنا، ونجدد به عهدنا مع الله على حسن الخلق والعمل.