حين توقظك الرغبة… أين يبدأ الطريق؟


قد يعيش الإنسان سنوات وهو يشعر بأنّ في داخله شيئًا يريد أن يقدّمه لمجتمعه. يرغب في أن يكون له حضور في المجال الثقافي، أو العلمي، أو الديني، أو في أي مجال يمكن أن يسهم من خلاله في خدمة الناس وبناء الوعي. لكنّه، رغم صدق الرغبة، يبقى مترددًا أمام سؤال بسيط:
من أين أبدأ؟
وهنا تظهر قيمة الوعي. فالوعي لا يكتفي بأن يجعل الإنسان يدرك حاجته إلى العطاء، بل يساعده على اكتشاف قدراته، ومعرفة ما يمتلكه من معرفة وخبرة ومهارات، وما يحتاج إلى تطويره حتى يصبح عطاؤه أكثر نفعًا. فالإنسان الواعي لا يقول فقط: ”أريد أن أخدم“، بل يسأل:
ماذا أستطيع أن أقدّم؟ ولمن؟ وكيف؟
وقد وضع القرآن الكريم الإنسان أمام مسؤولية العمل، فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ . فالإرادة وحدها لا تصنع أثرًا، وإنّما تتحول الإرادة إلى قيمة عندما تجد طريقها إلى العمل.
وفي تراث أهل البيت

نجد أنّ العلم لا ينفصل عن العمل والنفع. ويُروى عن الإمام علي

: ”قيمة كل امرئ ما يحسنه“؛ فالإنسان يستطيع أن يجد قيمته فيما يتقنه، ثم يجعل من إتقانه وسيلة لخدمة الآخرين.
وقد يكون الطريق أقرب مما نتصوّر. فمن لديه قدرة على الكتابة يستطيع أن يبدأ بمقالة، ومن لديه معرفة يستطيع أن يشاركها في محاضرة أو ورشة، ومن يمتلك خبرة يمكن أن يوجه بها الشباب، ومن لديه اهتمام بالتراث يستطيع أن يوثّق تاريخ مجتمعه، ومن لديه شغف بالعلوم يمكن أن يحوّل معرفته إلى محتوى مبسّط ينتفع به الآخرون.
لا يشترط أن تبدأ بمشروع كبير، ولا أن تمتلك اسمًا معروفًا أو جمهورًا واسعًا. البدايات العظيمة كثيرًا ما تكون صغيرة، لكنّها تكون واعية ومستمرة.
والوعي هنا يمنح الإنسان شجاعة البداية، ويحرره من المقارنة بالآخرين؛ فلا يقول:
لماذا أبدأ وأنا لست مثل فلان؟
بل يقول: ماذا أستطيع أن أضيف أنا؟
إنّ خدمة المجتمع ليست مسؤولية فئة محددة، وليست حكرًا على أصحاب الشهادات أو المناصب. كل إنسان يمتلك معرفة أو تجربة أو مهارة أو قدرة يستطيع أن يجعل منها بابًا للعطاء.
ولعل الرسالة الأهم أنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يرى الطريق كاملًا حتى يبدأ؛ يكفي أن يرى الخطوة الأولى.
ابدأ بما تعرف، وتعلّم ما تحتاج إليه، اقترب من أصحاب الخبرة، جرّب، أخطئ، صحح، ثم واصل. فالمجتمع الذي نطمح إليه لا يُبنى بكثرة المتفرجين، وإنّما بأناس أيقظ الوعي في داخلهم سؤالًا مهمًا:
ماذا يمكنني أن أقدم؟
وعندما يتحوّل هذا السؤال إلى فعل، تبدأ الحكاية… ويبدأ الأثر.



