الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عقربُ الوقت ووترُ الرحيل

صُبرةالأربعاء 28 أكتوبر 2026، 4:26 م
عقربُ الوقت ووترُ الرحيل

محمد المخرق

تبدأ قصيدة (امتنان) للشاعر فايز ذياب بمنح الأشياء شعورا لا تبدو مستحقة له..

نافذة لا تطلّ، وصفصافة يختلّ إيواؤها، وساعة يتوقف عقربها. ويضع هذا الاختيار القارئ أمام مشكلة تتجاوز تفسير الصور الى مساءلة الموقف الذي يجمعها..

ما الذي نشكره حين يتعثر ما ننتظره منه؟ تتقدم القصيدة عبر هذه المفارقة، ثم تمنحها في الخاتمة سببا إنسانيا دقيقا، حين يتغير صوت سيدة أمام رجل يوضب أمتعته للرحيل. وبين تعطل الأشياء وتغيّر الصوت تتحدد خبرتها الأساسية: البحث عما يثبت بقاء الصلة بالعالم، وإن ظلّت عطاياه دون الحاجة.

والامتنان هنا اعتراف بالأثر، أكثر مما هو إعلان عن الاكتفاء. يرجّح ذلك أن النقص يظل حاضرا حتى النهاية.. فلا تنفتح النافذة، ولا تستعيد الساعة حركتها، ولا نعرف أن الراحل وجد ما يحمله على البقاء. ما يتغير هو مقدار العلامة التي تستحق الالتفات..

يصل النص إلى نبرة عابرة، ويمنحها وزن الحدث. وهنا تكمن رقّته ومرارته معا؛ إذ إن القدرة على تقدير الأثر الضئيل تكشف حساسية صاحبه، وتكشف أيضا مقدار حاجته إليه.

يسهم العنوان في إنشاء هذا التوتر منذ البداية. فكلمة (امتنان) تتصل بـ (لنافذة)، ثم تتوزع دلالتها على العبارات المعطوفة اللاحقة، حتى تعود صريحة في (امتنان أخير). يسبق الشعورُ أسبابه، وتجيء الأسباب محمّلة بما يعقّد قبوله. وحين يقرأ المرء:

لنافذة

حين هبّت رياح الصبا

من سنين الصبا

لا تطلّ

تتولد لديه حركة توقّع يقطعها النفي المتأخر. توحي الريح بإمكان الانفتاح، ويمنح تكرار (الصبا) الهواءَ مصدرا في العمر، ثم تأتي (لا تطلّ) لتوقف ما شرعت العبارة في إتاحته. إن الماضي قادر على إرسال أثره، فيما تتعذر الإطلالة التي تجعل الوصول إليه ممكنا. وتستمد الصورة فاعليتها من هذا التفاوت بين وصول الأثر وانسداد الأفق.

وعلى امتداد المقاطع الأولى يتأخر ظهور المتكلم، وتتقدم الأشياء بأفعالها وضمائرها: الغصون تفكر وتضلّ، والساعة تشدّ، وللشجرة قاموسها وللساعة عقربها. تتوزع القدرة على الفعل خارج الذات التي تشعر بثقل النتائج. ثم يظهر ضمير المتكلم في الخاتمة: (كنت أوضّب أمتعتي للرحيل). لهذا الانتقال قيمة بنائية.. فالذات التي تركت الأشياء تتصدر المشهد تستعيد فعلا يخصها عند اقتراب المغادرة. ويصبح توضيب الأمتعة أول فعل شخصي صريح لها في النص، فتكتسب الحركة البسيطة وزنا يتجاوز تفصيل السفر.

لكن الأشياء التي تتصدر القصيدة لا تعمل باعتبارها خلفية محايدة. فالنافذة تتيح النظر، والشجرة تمنح المأوى، والساعة تنظم العبور في الزمن.. وكلها تُستدعى عند اضطراب هذه الصلات. وتزداد حدة الاضطراب في عبارة (قبل موعد نوم الطيور) يأتي تهديد المأوى قبيل الحاجة إليه. إن التوقيت هو الذي يمنح مشهد الأعشاش ثقله إذ يصيب الخللُ العلاقة في لحظة انتظار وفائها بوظيفتها.

وفي هذا السياق يكتسب انتقال الشجرة إلى اللغة دلالته:

بيد أن الغصون التي فكّرت بالخروج عن النص ضلّت طريق الشعاع

فأصبح قاموسها لا يظلّ..

يجعل الشاعر للغصون نصا تفكر في مغادرته، وللشجرة قاموسا يُمتحن بقدرته على التظليل. تصبح اللغة، بهذا المزج، معنية بما تتيحه من حماية. وتدخل القصيدة ضمنيا في سؤالها: هل تستطيع الكلمات أن تمنح الإنسان موضعا يحتمل فيه العالم؟

غير أن هذا المقطع أقل إحكاما من صورة النافذة. فالتتابع بين الغصون والنص والشعاع والقاموس يضغط علاقات متعددة في مساحة قصيرة، ويترك بعض الصلات معتمدا على استكمال القارئ. ينجح المجاز حين يجعل للكلام ظلا يُطلب، لكن حركته نحو هذه النتيجة أشد تعقيدا من ضرورتها الشعورية الظاهرة. والتمييز مهم هنا بين صورة توسّع التجربة وصورة تتكاثر مفرداتها حتى تطالب التأويل بحمل جزء من بنائها.

وتستعيد القصيدة كثافتها في مشهد الساعة:

وساعة عمر

توقّف عقربها بين رقم ورقم

فشدّت زمام الزمان

يحتجز العقربُ نفسه في المسافة التي يُفترض أن يعبرها. واختيار (بين رقم ورقم) يجعل التعطل واقعا على مشارف إنجاز الحركة، في موضع يَعِد بالوصول ولا يحققه. أما شدّ زمام الزمان بعد التوقف فيمنح السكون سلطة .. يظل الإنسان محكوما بالوقت، حتى حين يفقد إحساسه بالتقدم فيه. هذه من أنجح صور القصيدة، لأنها تجسّد وطأة الانتظار في علاقة محددة بين الوقوف والتحكم.

وتمتد العلاقة إلى (تضاريس (سوف) و(سين))، حيث (القريب الذي لا يجيء). تحوّل (تضاريس) علامتي الاستقبال إلى أرض معقدة المسالك، فتغدو الوعود مكانا يقيم فيه المنتظر. ويجمع (القريب الذي لا يجيء) قرب الإمكان واستمرار الحرمان منه. يتصل هذا بقاموس الشجرة: للكلمات قدرة على تسمية ما نحتاجه، وتبقى كفايتها لحياتنا موضع شك.

من هنا يمكن فهم اضطراب الكثير والقليل:

هذا القليل الذي يشبه الجوع

أو يشبه الصمت بين الكلام الذي لا يقال

يشير الجوع إلى حاجة تظل مفتوحة، ولذلك يصعب حمل الامتنان على الرضا المكتمل. حتى القليل الذي يُتاح يحتفظ في داخله بما ينقصه. غير أن تكرار الكثرة والقلة يطيل أحيانا الإقامة عند المعنى بعدما جسدته الساعة. وتستمد هذه الملاحظة مشروعيتها من تفاوت داخل النص نفسه: ما تصنعه صورة العقرب باقتصاد، يحتاج لاحقا إلى تراكم المقابلات والتشبيهات. يفسّر الاجترارُ بعضَ التكرار، لكنه لا يمنح جميع عباراته الدرجة نفسها من الضرورة.

وحين يعود العنوان في (امتنان أخير)، يدخل النص أكثر مواضعه إحكاما:

امتنان أخير

لسيدة

حين كنت أوضّب أمتعتي للرحيل

تغيّر في صوتها وتر من ضباب

وخبّ إيقاع نبرتها المستمهل

تتجمع في هذا المشهد علاقات أعدّتها القصيدة من قبل: الإقامة والمغادرة، التعطل والحركة، الكلام والصمت. وأبرزها تقابل العقرب المتوقف والإيقاع الذي يخبّ بعد استمهال. ينتقل الإحساس بالزمن من آلة عاجزة عن العبور إلى صوت يتسارع عند احتمال الفراق. وتتحقق الصلة من خلال فعلين محسوسين، بما يغنيها عن إعلان المعنى أو شرحه.

كذلك يكتسب (الكلام الذي لا يقال) إمكانا للحضور في النبرة. لا ينقل الشاعر جملة قالتها السيدة؛ فهو ينتقي التغيّر الذي أصاب طريقة قولها، ويقيم عليه المشهد كله. إنها براعة في اختيار موضع الدلالة: يترك مضمون الكلام خارج النص، ويمنح اختلاف الصوت القدرة على حمل الحدث. ويظل (وتر من ضباب) مناسبا لهذه المعرفة الناقصة؛ فالوتر يهتز، لكن الضباب يحجب التحديد. نسمع أثرا يتعذر تحويله إلى يقين.

لهذا لا يلزم تعيين شعور السيدة حتى تتضح قيمة الخاتمة. ما يرجحه اقتران تغيّر الصوت بتوضيب الأمتعة هو أن احتمال الرحيل أحدث استجابة. يلتقط المتكلم أثر غيابه قبل وقوعه، ويمنحه الامتنان. وبعد المقاطع التي تعطلت فيها منافذ العلاقة بالعالم، يجد علامة على أن حضوره يترك فرقا في الآخر. هذا هو التحول الذي تمنحه الخاتمة لما سبقها.. فتصير الإشارة الإنسانية المحدودة ذات قيمة في عالم أثقلت خيباته الحاجة إلى الاستجابة.

وتظل قوة هذه الإشارة متصلة بهشاشتها. فهي لا تكفل بقاءً، ولا تنهي انتظارا، ولا تعيد إلى الأشياء وظائفها. تمنح صاحبها سببا للشكر من داخل الحاجة التي لم تُشبَع. لذلك تتجاوز القصيدة، في أفضل مواضعها، التعبير عن حزن الرحيل إلى التقاط حاجة الإنسان إلى أن يعرف أن رحيله يُحَسّ.

وتتجلّى براعة فايز ذياب في قدرته على منح التحوّل الضئيل كثافة الحدث الشعري.. فتغيّر النبرة عنده يحمل ما قد يبدّده التصريح بالشعور. وتلك أبرز خصائص هذا النص..

أن يجعل الصوت دليلا على أثرٍ إنساني، مع احتفاظه بغموض ذلك الأثر. وبين عقربٍ توقّف ونبرةٍ أسرعت، يبني الشاعر فرقا دقيقا بين وقتٍ يثقل الحياة، ولحظةٍ تمنحها سببا للامتنان.

ملحق

…………………………………………………………………………………………………………..

نص القصيدة …

(امتنان)… الشاعر فايز دياب

لنافذةٍ

حين هبّت رياحُ الصَّبا

من سنينِ الصِّبا

لا تطلّ

وصفصافةٍ

قبل موعد نوم الطيور

تزيدُ افتراعًا

لأعشاشها

بيدَ أنَّ الغصونَ التي فكّرتْ بالخروج عن النصّ ضلّت طريقَ الشعاع

فأصبح قاموسُها لا يُظلّ

وساعةِ عمرٍ

توقّف عقربُها بين رقمٍ ورقم

فشدّت زمامَ الزمان

كان وشيجًا من الغيب أثقل كاهلَها

بالكثير الكثير من المنحنيات

التي في تضاريس (سوف) و(سين) القريب الذي لا يجيءُ

فهذا الكثيرُ

قليلٌ بمقياس مَن يعرفون من الوقت

هذا القليلَ الذي يشبه الجوعَ

أو يشبه الصمتَ بين الكلام الذي لا يُقالُ

وأكثرَ من كلّ هذا القليل.. الأقلّ

امتنانٌ أخيرٌ

لسيّدةٍ

حين كنتُ أوضّب أمتعتي للرحيل

تغيّر في صوتها وترٌ من ضباب

وخبَّ إيقاعُ نبرتها المستهلّ