هكذا عرفتهم.. محمد العلي


كان ذلك في نهاية الثمانينات الميلادية عندما حملَنا مثقفٌ كبيرٌ وشاعرٌ هو الصديق الأستاذ رضوان النمر على أجنحة قصائد محمد العلي الحداثية، وقتها كان جميعنا محاصرين بأسوار الشعر العمودي وفقط كتابةً وتعصبًا وفي منتدىً تأسس على حجارتها، لكن خمرةَ ما عاقرناه من عناقيدها أدار بوصلةَ أحرفنا سريعًا لتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ تزامنتْ مع مناخٍ كانت فيه معارك الحداثةِ على أشدِّها ليصبحَ غبار جولاتها ضيفًا على موائدِ جلساتنا الأسبوعية خاصة مقالاته الجريئة وأسئلته المشاكسة، ولتتضح بعد ذلك ملامح المنتدى وتُرسمَ خطوطُه التي بدأت بالتشقُّقِ شيئأ فشيئًا، ليحصلَ الطلاقُ الودّي بعد سنوات من الألفة الثقافية، أنشأ من انحاز للعمود منتداهم الخاص، واستضفتُ أنا فرعه المنفتح على فضاءاتِ الفكر الحر، والسبب في كل تلك التحولات التي مر بها جيلُ وازنٌ وبكل حرفٍ قاطعٍ يعود بالإضافة لاستعداد بعضنا هو هذا المفكر الحر العابر للأجيال والأذواق بجسوره المتينة وروحه الكبيرة
مضتْ سنواتٌ وانا أتابعُه عبر مقالاته في الأعمدة الثابتة، وكتاباته المنشورة، وقصائده التي تُلقى في الأمسيات، والمسجلة، والمقروءة، حتى جاء ذلك المساء الاستثنائي الذي أطلّ علينا بقامته الفارعة، فالمناسبةُ أمسيةٌ شعريةٌ كان قد أعدها لي جماعة ”منتدى الغدير الأدبي“ قبل ما يربوا على الثلاثين عامًا، فجأةً وبينما كنتُ منهمكًا بإلقاء قصائدي وقد انصرم دقائق فقط من شوطِ الأمسية إذْ بي أرى الجمهورَ بكامله يفز واقفًا عن بكرة أبيه لأتفاجأ بدخوله برفقة صديقه الأثير الأديب نزار المصطفى، إنه محمد العلي اسمٌ يديرُ أعناقَ المجالسِ أنّى حلّ وارتحل. لكن المفاجأة الأكبر عندما تقدم للمنصة بعد انتهاء الأمسية للتعقيب على ما دار في أقداح القصائد نزولا عند طلب الأستاذ نزار.
انتهت الأمسيةُ، وانفضَّ السامرُ، وغادر الجميعُ المكانَ وأنا منهم، لكن ظلاله الوارفةَ لم تغادر جدران الذاكرة. تلك الظلال التي استحالت واقعًا عبر لقاءاتٍ جمعتني إيّاه في مجالس عديدة كانت تلتأم بأسماءٍ كبيرةٍ من أدباء وشعراء ومفكرين، كالأديب الشيخ حسن الصفار، والأديب السيد حسن العوامي، والأديب السيد علي العوامي، والأديب الشاعر السيد عدنان العوامي، والشاعر ”أبو قطيف“ عبد الله الجشي، والدكتور توفيق السيف، وآخرون وآخرون ممن خانتهم الذاكرة.
أما أولى تلك المجالس فكان مجلس الأديب الأستاذ نزار المصطفى، وقتها امتلأتْ جميعُ المقاعد عدا مقعدًا واحدًا ظلّ شاغرًا عرفنا لا حقا أنه مخصَّصٌ للأستاذ محد العلي والذي لم يعد مزاج المكان ونكهة الحديث كسابق عهدهما عندما أطل آخذا مكانه. لتكرّ السبحةُ فالقطيف غنيةٌ بأمثال هذه المجالس التي تضرب بعيدًا في عمق التاريخ الثقافي والفكري، قبل أن يصبحَ مجلسه هو عشُّنا الذي نفيء له بين فينة وأخرى كلما احتاجت رئة السؤال لأكسجين جديد، حيث كان آخر هذه اللقاءات بالنسبةِ لي استذكارًا مع الصديق الشاعر جاسم الصحيح عن أوّل لقاءاتنا بالأستاذ في بيته هذا قبل ثلاثين عاما، عندما كنّا جميعنا في بداية مشوارنا الأدبي نتلمّسُ خطواتنا نحو مدائنه الشاسعة، ومما تذاكرتُ عنه أيضا مع الصديق جاسم شجرة الليمون ونحن نغادر المكان والتي كانت تلتهم الباحة الخارجية لتشابك أغصانها وخضرة أوراقها ووفرة نتاجها حيث شهدنا نموَّها وانتشارها أكثر وأكثر مع كل زيارة لبيت الأستاذ، غير انها أصبحت جافةً وأغصانها يابسةً في زيارتنا الأخيرةِ ليست كسابق عهدها. كان لي ذلك بمثابة الإشارات غير المريحة، فهل كانت تهجسُ بشيء غاب عنا جميعنا؟



