الأحد 1 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يلتقي الوفاء بذاكرة البحر… الشيخ عبدالعزيز التركي ضيفاً في جزيرة المحبة والسلام

عبدالعظيم الضامن · القطيف اليومالأحد 1 نوفمبر 2026، 2:06 م
حين يلتقي الوفاء بذاكرة البحر… الشيخ عبدالعزيز التركي ضيفاً في جزيرة المحبة والسلام

ليست كل الزيارات مجرد لقاءات عابرة، فبعضها يعيد ترتيب الذاكرة، ويفتح نوافذ القلب على سنوات من المحبة والوفاء، وبعض الضيوف حين يحلون في المكان، يحملون معهم سيرة من العطاء، وحكايات من الزمن الجميل.

كان لنا شرف وسعادة استقبال الشيخ عبدالعزيز التركي، يرافقه سعادة الأستاذ عبدالرحمن المقبل والأستاذ طارق، في زيارة كريمة إلى مرسم المحبة والسلام في جزيرة تاروت الحبيبة، بمحافظة القطيف؛ تلك الجزيرة التي تختزن في تضاريسها حكايات البحر، وفي نخيلها ذاكرة الأجداد، وفي وجوه أهلها أصالة المحبة وكرم الضيافة.

كان اللقاء أكثر من زيارة؛ فقد بدا وكأننا نقلب صفحات كتاب قديم، تتعانق بين سطوره الذكريات، وتطل من بين حروفه سنوات طويلة من الصداقة والعمل المشترك.

فمنذ عام 2003م تقريباً، كان لقاؤنا الأول في إحدى مبادرات الخير والعطاء، ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة من التعلم والإلهام، تعلمت خلالها الكثير من الشيخ عبدالعزيز التركي، خصوصاً في سعة أفقه، وإيمانه بقيمة العمل الخيري والتطوعي، وقدرته على تحويل الأفكار الإنسانية إلى مبادرات ومؤسسات تخدم المجتمع.

فالشيخ عبدالعزيز التركي ليس مجرد اسم ارتبط بالعمل الاجتماعي، بل هو أحد الوجوه التي كان لها حضور في تأسيس ودعم عدد من الجمعيات والمبادرات التخصصية، التي اتجهت إلى خدمة الإنسان في مجالات صحية وإنسانية متعددة.

وحين نتحدث عن جمعيات تُعنى بمرضى السرطان، أو عن جمعية إيثار للتبرع بالأعضاء، أو الجمعيات المعنية بمرض السكري وغيرها من المبادرات المجتمعية، فإننا نستحضر قيمة العمل المؤسسي، وأهمية أن يتحول العطاء من مبادرات فردية إلى كيانات مستدامة، تترك أثراً يتجاوز عمر أصحابها.

إن أجمل ما في العمل التطوعي أنه لا يقاس بعدد المبادرات وحدها، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس، وبما يزرعه من أمل في نفوسهم.

ومن الوفاء أن يُقابل العطاء بالتقدير، وأن تحفظ الذاكرة الجميل لمن يستحقه.

وحين بدأ الشيخ عبدالعزيز التركي مشروع تأسيس ديوانية الأطباء، شعرت أن من الوفاء أن أرد شيئاً من الجميل لهذا الرجل الكريم، وأن أعبّر عن تقديري للشيخ الجليل أبي علي، بطريقتي التي أحبها وأجيدها.

فآليت على نفسي أن أهدي كل ضيف من ضيوف الديوانية لوحة من لوحات مشروع المحبة والسلام؛ لتكون تلك اللوحات رسائل فنية تحمل معاني التقدير والامتنان، وتوثق حضور القامات العلمية والطبية، وتجمع بين جمال الفن ونبل الرسالة الإنسانية.

فالفن، في جوهره، ليس ألواناً على مساحة من القماش فحسب، بل لغة قادرة على عبور المسافات، وجسر يصل بين القلوب، ورسالة سلام لا تحتاج إلى ترجمة.

من مائدة البحر إلى حكايات الجزيرة

وبعد حديث الذاكرة والفن والعمل المجتمعي، اجتمعنا حول مائدة بحرية عامرة بخيرات خليج تاروت، حيث للبحر مذاق مختلف، وللضيافة في هذه الأرض نكهة لا تشبه سواها.

هناك، بين أطباق البحر ودفء الرفقة، استعدنا بعض تفاصيل مشروع لوحة المحبة والسلام، وتبادلنا الأحاديث عن المبادرات والأفكار والتجارب.

ومع استكانات الشاي تحلو الحكايات، وتصبح التفاصيل الصغيرة ذاكرة كبيرة، ويغدو الحديث عن الأمس امتداداً جميلاً لأحلام الغد.

تاروت… حيث يتحدث التاريخ بلغة الحجر والبحر

ثم انطلقت رحلتنا نحو قلعة تاروت الشامخة، ذلك المعلم التاريخي الذي يقف شاهداً على عمق الذاكرة الحضارية للجزيرة، وعلى تعاقب الأزمنة والحضارات التي مرت بهذه الأرض.

فقلعة تاروت ليست حجارة صامتة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ المنطقة، تستحضر المكانة التاريخية للجزيرة وما شهدته من تواصل تجاري وثقافي عبر الخليج.

ومن القلعة واصلنا رحلتنا نحو دارين، مروراً بقصر محمد عبدالوهاب الفيحاني، ذلك المعلم المرتبط بتاريخ دارين البحري والتجاري، والذي يستحضر مرحلة مهمة من ازدهار التجارة والملاحة في الخليج العربي.

فدارين ليست مجرد بلدة ساحلية، بل ذاكرة بحرية عريقة، ارتبط اسمها باللؤلؤ والسفن والتجارة، وكانت شواطئها شاهدة على رحلات الغوص ومواسم البحر وحكايات البحارة.

ومررنا بشواطئ دارين وسنابس، حيث يتعانق البحر مع اليابسة، وتظل رائحة الماضي حاضرة في تفاصيل المكان، قبل أن نتوقف في الزور، لنحتسي استكانة شاي في أجواء تستعيد بساطة الحياة في زمن الأجداد.

كانت لحظات تختصر معنى السياحة التراثية؛ أن تزور المكان فلا تكتفي بمشاهدة معالمه، بل تستمع إلى حكايته، وتتلمس ذاكرته، وتشعر بأنك جزء من تاريخه.

القطيف… نخيل ووجوه وذاكرة لا تغيب

وفي طريقنا إلى القطيف، كانت نخيل تاروت تلوح لنا كأنها تودعنا وترافقنا في الوقت نفسه، شامخة بجذوعها، باسطة ظلالها، وكأنها تحرس ذاكرة الجزيرة وتروي حكايات أجيال تعاقبت على هذه الأرض.

ثم كانت وجهتنا إلى القطيف سي فرونت، حيث الواجهة البحرية التي تمنح المدينة مساحة جديدة للالتقاء والاستمتاع بجمال البحر، وتضيف بعداً سياحياً وترفيهياً إلى المشهد الحضري للقطيف.

هناك، وعلى امتداد الواجهة البحرية، استمتعنا بجمال المكان وهدوء البحر، وتناولنا قهوتنا حتى المساء، فيما ظل الحديث يتنقل بين القطيف وتاريخها، وأهلها وكرمهم، وما تختزنه من مقومات سياحية وثقافية وتراثية تستحق أن تُروى وتُكتشف.

فالقطيف ليست مجرد جغرافيا على ضفاف الخليج؛ إنها حكاية إنسان، وذاكرة بحر، وأرض نخيل، ومجتمع تشكلت هويته عبر قرون من التواصل والعمل والحياة.

المحبة والسلام… رسالة تتجاوز حدود المكان

ومع اقتراب المساء، أدركنا أن أجمل ما في الرحلة لم يكن تعدد محطاتها، ولا جمال المواقع التي زرناها، بل تلك المساحة الإنسانية التي جمعتنا؛ مساحة من الود والوفاء وتبادل التجارب والأفكار.

كان حضور الشيخ عبدالعزيز التركي ورفيقيه مناسبة لاستحضار قيمة الرجال الذين لا يكتفون بالحديث عن العطاء، بل يسعون إلى بناء مؤسساته، وفتح أبواب الخير أمام الآخرين.

كما كانت الزيارة فرصة لتقديم جزء من جمال جزيرتنا، وتعريف ضيوفنا بما تحمله تاروت ودارين والقطيف من إرث تاريخي وبحري وثقافي، وما يمتلكه أهلها من محبة وكرم وأصالة.

شكراً للشيخ عبدالعزيز التركي، أبي علي، على سنوات من الصداقة والإلهام، وعلى ما تعلمناه من تجربته في ميادين العمل الخيري والإنساني.

وشكراً للأستاذ عبدالرحمن المقبل والأستاذ طارق على هذه الرفقة الطيبة.

أما جزيرتنا تاروت، فستظل كما عهدناها؛ جزيرة المحبة والذاكرة والجمال، تفتح ذراعيها لضيوفها، وتروي حكاياتها لكل من يأتيها بقلب محب.

فبعض اللقاءات تنتهي عند بوابة المساء، لكنها تظل مفتوحة في ذاكرة القلب… وبعض الرحلات لا تقاس بالمسافات التي نقطعها، بل بالمحبة التي نعود بها.

مرحباً بكم دائماً في جزيرة المحبة والسلام.