ريان الزكري.. شغف القراءة ومجد الوطن


في زمن تتسارع فيه التقنيات الحديثة، وتتزاحم فيه وسائل الترفيه الرقمي على عقول الناشئة وأوقاتهم، تبرز نماذج استثنائية من أبنائنا لتؤكد أن الكتاب لا يزال مصدرًا للمعرفة، وأن القراءة قادرة على صناعة العقول المبدعة، وبناء الشخصيات المتميزة، وفتح آفاق واسعة نحو المستقبل.
ومن بين هذه النماذج المشرّفة، يسطع اسم الطالب السعودي ريان بن أديب علي الزكري، أحد أبناء محافظة الأحساء، الذي استطاع أن يحوّل شغفه بالقراءة إلى إنجاز عربي كبير، بعد حصوله على المركز الثالث في مسابقة تحدي القراءة العربي في موسمها العاشر لعام 2026، ليكتب اسمه بحروف من التميز في سجل الإنجازات الوطنية، ويرفع راية المملكة العربية السعودية عالية في محفل ثقافي عربي مرموق.
ريان: حين تتحول القراءة إلى شغف وإبداع:
لم تكن القراءة بالنسبة إلى ريان مجرد هواية عابرة، أو نشاط مدرسي يؤديه استجابة لمتطلبات الدراسة، بل أصبحت رحلة معرفية ممتدة، وعلاقة وثيقة مع الكتاب، ومصدرًا لاكتشاف الأفكار والثقافات والتجارب الإنسانية.
لقد قرأ ريان 260 كتابًا، وهو رقم يعكس حجم الجهد الذي بذله، والوقت الذي استثمره في تنمية معارفه وتوسيع مداركه، ويكشف عن إرادة مبكرة أدركت أن بناء العقل يبدأ من صفحات الكتب، وأن التفوق الحقيقي لا يتحقق بالمصادفة، وإنما بالمثابرة والانضباط وحب التعلم.
والأجمل في تجربة ريان أن قيمة إنجازه لا تكمن في عدد الكتب التي قرأها فحسب، وإنما في قدرته على تحويل القراءة إلى وسيلة للتفكير والتحليل والتعبير، فالقراءة الواعية لا تصنع قارئًا يحفظ المعلومات فقط، بل تبني إنسانًا قادرًا على فهم الأفكار، ومناقشتها، والتمييز بينها، وتكوين رؤيته الخاصة للعالم.
وهنا تتجلى أهمية القراءة الحقيقية؛ فهي ليست سباقًا مع عدد الصفحات، وإنما رحلة في أعماق المعرفة، تتسع معها المدارك، وتنمو اللغة، وتتطور القدرة على التفكير والإبداع.
من الأحساء إلى دبي: رحلة تميز تستحق الفخر
انطلق ريان من بيئته التعليمية في الأحساء، ومن مجمع حمد الجبر التعليمي، حاملًا طموحًا كبيرًا وإصرارًا على التميز، حتى وصل إلى منصة التتويج في دبي، حيث حظي بشرف التكريم في مسابقة عربية كبرى شهدت مشاركة أكثر من أربعين مليون طالب وطالبة من ستين دولة.
إن الوصول إلى المركز الثالث وسط هذا العدد الهائل من المشاركين يمثل إنجازًا استثنائيًا، ويعكس مستوى متميزًا من الاستعداد المعرفي والقدرة على المنافسة.
ولم يكن ريان في ذلك المحفل يمثل نفسه أو مدرسته فحسب، بل كان يحمل اسم وطنه، ويجسد صورة مشرقة للطالب السعودي الطموح، الذي يمتلك من القدرات والإمكانات ما يؤهله للمنافسة والتفوق في المحافل الإقليمية والدولية.
ولذلك فإن فرحتنا بإنجازه تتجاوز حدود التفوق الفردي، لتصبح فرحة وطنية، واعتزازًا بكفاءة أبنائنا، وثقة بما تختزنه مدارسنا من مواهب واعدة تستحق الاكتشاف والرعاية.
الأسرة الحاضنة الأولى للإبداع:
وراء كثير من قصص النجاح أسرة تؤمن بقدرات أبنائها، وتمنحهم الثقة، وتوفر لهم البيئة المناسبة للنمو والتفوق.
ولا شك أن الأسرة تمثل الركيزة الأولى في غرس حب القراءة لدى الأطفال، فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحترم الكتاب، وتشجع الحوار، وتحتفي بالمعرفة، يكون أكثر استعدادًا لتكوين علاقة إيجابية مع القراءة منذ سنواته المبكرة.
ومن هنا نستحضر بكل تقدير دور أسرة ريان، ووالده الأستاذ أديب الزكري، في مساندته وتشجيعه، ونبارك لهم هذا الإنجاز الذي أصبح مصدر فخر واعتزاز للأحساء والوطن.
إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يقتصر على توفير احتياجاتهم المادية، بل يمتد إلى بناء عقولهم، وتنمية مواهبهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم الكامنة.
المدرسة شريك أساسي في صناعة التميز:
كما أن هذا الإنجاز يسلط الضوء على الدور المحوري للمؤسسات التعليمية في اكتشاف المواهب ورعايتها، وتحويل الطاقات الفردية إلى إنجازات ملموسة.
فالمدرسة الناجحة ليست مجرد مكان لتلقي المعلومات واجتياز الاختبارات، وإنما بيئة تربوية وثقافية تنمي الفضول المعرفي، وتشجع التفكير المستقل، وتفتح أمام الطلاب أبواب الإبداع والابتكار.
ومن هذا المنطلق، يستحق القائمون على تعليم الأحساء، وإدارة مجمع حمد الجبر التعليمي، والمعلمون والمشرفون وفريق النشاط الطلابي، التهنئة والتقدير على هذا المنجز المشرف.
كما أن تجربة ريان تؤكد أهمية المبادرات القرائية والمسابقات الثقافية التي تتيح للطلاب فرصًا لاكتشاف إمكاناتهم، وتمنحهم الدافع إلى تطوير قدراتهم اللغوية والفكرية.
القراءة صناعة الإنسان قبل صناعة الإنجاز:
لعل الرسالة الأعمق التي يقدمها لنا ريان تتمثل في أن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة تربوية وحضارية، وأداة أساسية لبناء الإنسان القادر على مواكبة التحولات العلمية والمعرفية.
فالطفل القارئ يمتلك فرصة أكبر لتوسيع حصيلته اللغوية، وتنمية خياله، وتعزيز مهاراته في الفهم والتحليل والتعبير، كما تساعده القراءة على التعرف إلى تجارب الآخرين وفهم التنوع الإنساني.
ومن المؤسف أن ينشغل بعض أبنائنا ساعات طويلة أمام الشاشات، بينما لا يجدون وقتًا كافيًا لقراءة كتاب يثري عقولهم أو يوسع آفاقهم.
وهنا تبرز مسؤوليتنا جميعًا، آباءً وأمهاتٍ ومعلمين ومؤسسات مجتمعية، في إعادة الاعتبار للكتاب، وجعل القراءة جزءًا أصيلًا من حياة الأطفال اليومية.
وليس المطلوب أن يقرأ كل طفل مئات الكتب، أو أن يصبح جميع أبنائنا أبطالًا في المسابقات، وإنما أن نساعد كل طفل على اكتشاف متعة القراءة، وأن نجعل الكتاب صديقًا له، والمعرفة شغفًا يرافقه طوال حياته.
ريان رسالة ملهمة لجيل كامل:
إن إنجاز ريان الزكري يحمل رسالة بالغة الأهمية مفادها أن أبناءنا قادرون على تحقيق إنجازات كبيرة متى وجدوا التشجيع والرعاية والفرص المناسبة.
كما يثبت أن التميز لا يقتصر على المجالات الرياضية أو التقنية أو العلمية، بل إن الثقافة والقراءة والمعرفة ميادين رحبة للإبداع، تستحق أن تحظى بالاهتمام والاحتفاء.
والأهم من ذلك أن نجاح ريان يمكن أن يتحول إلى مصدر إلهام لآلاف الطلاب والطالبات، وأن يدفعهم إلى إعادة اكتشاف علاقتهم بالكتاب، والإيمان بأن الإنجازات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة، وصفحات تُقرأ، وأفكار تتراكم، وطموحات لا تعرف المستحيل.
إننا بحاجة إلى أن تتحول قصة ريان من مناسبة للاحتفاء إلى مشروع إلهام تربوي، تستثمره المدارس والأسر والمؤسسات الثقافية في تعزيز ثقافة القراءة، وتشجيع المواهب الواعدة، وصناعة جيل يعتز بلغته العربية، وينفتح بوعي على معارف العالم.
الرسالة الذهبية: ريان فخر الأحساء والوطن:
نبارك لابننا المبدع ريان بن أديب علي الزكري هذا الإنجاز العربي المشرّف، ونبارك لوالده العزيز أبي رجائي وأسرته الكريمة، ولمدرسته ومعلميه، وللإدارة العامة للتعليم بمحافظة الأحساء، ولكل من أسهم في دعمه وتشجيعه.
ونتطلع إلى أن يكون هذا التفوق بداية لمسيرة حافلة بالنجاحات العلمية والثقافية والإنسانية، وأن يواصل ريان رحلته مع المعرفة، ليصبح نموذجًا للشاب السعودي المثقف، الواعي، الطموح، القادر على خدمة وطنه والإسهام في نهضته.
لقد فاز ريان بالمركز الثالث في تحدي القراءة العربي، لكنه حقق ما هو أبعد من ترتيب في مسابقة؛ فقد قدم درسًا بليغًا في قيمة المعرفة، وأثبت أن الكتاب حين يجد عقلًا شغوفًا وإرادة طموحة، يستطيع أن يصنع إنجازًا يتجاوز حدود الفرد ليصبح مصدر فخر لوطن بأكمله.
فهنيئًا لريان هذا المجد، وهنيئًا للأحساء هذا الابن المبدع، وهنيئًا للوطن بجيل يقرأ ليفكر، ويفكر ليبدع، ويبدع ليسهم في صناعة المستقبل.



