الجمعة 6 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العرب بين التوفيق والتلفيق

محمد المحفوظالجمعة 6 نوفمبر 2026، 2:35 م
العرب بين التوفيق والتلفيق

منذ صدمة الغرب والحضارة الحديثة، والعرب مجتمعًا وسياسةً واقتصادًا يعانون الثنائية في كل شيء، بين طرف يدفع بكل الأمور والقضايا تجاه الارتباط الهيكلي والتام بالنموذج الجديد للحداثة والحضارة، وطرف آخر يريد للواقع العربي البقاء على ما هو عليه، والانكفاء عن الاستجابة «بصرف النظر عن نوعية الاستجابة» لتحديات الواقع والظرف الجديد.

واستمرت هذه المماحكة والصراع عبر تاريخ العرب الحديث، واتخذت صيغًا مختلفة، وتطور مضمونها وآليات عملها في الساحة العربية، إلا أن مبتدأها واحد، وهو كيف نوفق بين ضرورات مختلفة «تصل في أحايين كثيرة إلى حد التناقض والتصادم» يحتاجها العالم العربي، ولا يمكن أن يستغني عن إحدى هذه الضرورات؛ فهو لا يمكنه الاستغناء عن معاصرته ومواكبته لتطورات العلم والمنجز الإنساني الحديث، كما أنه في الوقت ذاته، لا يمكنه أن يتواصل مع هذا العلم والمنجز وهو فاقد لذاته العقدية والثقافية؛ لأنه سيتحول إلى لاهث بلا بوصلة، وطامح بلا إمكانات اجتماعية وذاتية لتحقيق هذا الطموح.

فتاريخنا العربي الحديث هو مدافعة مستمرة بين هذه الأطراف، والقوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمثلها، فتعددت آليات المدافعة وعناوين الصراع، إلا أن الجوهر والمضمون الأول واحد.

وكما يبدو أن هناك خيطًا دقيقًا يفصل بين منهج التوفيق المتبع عند العديد من المدارس الفلسفية والفكرية والسياسية، والتلفيق الذي يمثل صناعة نظرية أو مقولة قائمة في بنيانها على طيف فكري أو سياسي متنوع، دون ملاحظة الصلة الجوهرية التي تربط بين عناصر هذا الطيف.

فالتلفيقية تأجيل للصراعات وتجميد لآلياتها، وتجاوز واع للمتناقضات الفكرية أو السياسية.

أما التوفيقية التي إن توفرت شروطها الذاتية والموضوعية، والتي سنأتي على ذكرها في مكان آخر، فهي وسيلة من وسائل تنظيم الصراعات دون إلغائها، وتوجيه عوامل الصراع في اتجاه بنائي، لا العمل على كبتها.

والتعريف الذي يطرحه الدكتور «محمد جابر الأنصاري» في كتابه الموسوم بـ ”الفكر العربي وصراع الأضداد“ عن الجدلية والتوفيقية، يؤكد لنا أن مضمون المصطلح الأخير هو ما نقصده بالتلفيق.

ولعل التوفيقية الواعية هي ما يقصده الدكتور الأنصاري بمضمون التعددية؛ إذ يقول: وحتى من وجهة جدلية «ديالكتيكية» فإن صراع الأضداد لا بد أن ينتهي إلى مندمج جديد في نهاية العملية الجدلية القائمة «إذا لم يتم تجميد الجدل بفعل عوامل خارجية أو داخلية قسرية كما يحدث غالبًا في المنطقة العربية»، والفارق بين التوفيقية «التوحيدية» والجدلية «التعددية»، أن الأولى تعمد في توليفتها إلى التقريب بين الأضداد بتجاوز عوامل الصراع وجوانب التناقض، وكبتها، ثم البحث عن مواضع الاتفاق ما أمكن. أما الثانية فإنها تتطلب المرور داخل نفق الاصطراع ذاته إلى أن يتولد المندمج الجديد بعد أن يأخذ الصراع مداه، ويتولد من الضدين شيء جديد يختلف عنهما معًا، ولا يمثل توليفة يتجاوران ويتقاربان فيها لبعض الوقت كما حدث في الصيغ التوفيقية التي شهدتها المنطقة العربية فيما عرف بالاتجاه القومي الوسطي بروافده المتعددة.

والصراع الذي يشهده العالم العربي اليوم بين القوى الأصولية والقوى العلمانية، لا يرجع في جوهره النظري والفكري إلى فشل محاولات التوفيق التاريخية بين هذه القوى، وإنما يرجع إلى العديد من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية «لسنا هنا في صدد بيانها».

إلا أنه من المستبعد القبول بأن منظور فشل صيغ التوفيق المستخدمة في التاريخ العربي هو الذي أدى إلى بروز هذا الصراع من جديد.

أما انشغال الفكر العربي الحديث بثنائيات العقل والإيمان، العلم والدين والتراث والمعاصرة، الدين والقومية، القومية والقطرية، العدل والحرية، الرأسمالية والاشتراكية، الشرق والغرب، القديم والجديد... إلخ، فإنه يرجع إلى العوامل التالية:

1- الفوضى المنهجية السائدة في الوسط الفكري العربي؛ إذ إنه منذ الصدمة الحضارية الحديثة وهو يكرر هذه المقولات والثنائيات، ليس بحثًا عن توفيقية راشدة تؤهله للاستفادة من المنجز الإنساني الحديث.

وإنما هذا التكرار المميت هو بفعل غياب المنهجية النظرية الواضحة، التي تجيب عن أسئلة الواقع العربي الراهن، وتخرج من إسار هذه الثنائيات.

فالمجتمع الذي لا يمتلك منهجية واضحة للتعاطي مع واقعه وقضاياه، سينشغل في قضايا وأمور، أقل ما يقال عنها إنها ليست ذات أولوية في مسيرة المجتمع.

2- عجز المجتمع عن حل مشاكله؛ إذ إن المجتمع حينما يعجز عن الوصول إلى حل ناجع لمشاكله، فإنه يبحث في ثنائيات نظرية، يقيم بينها التعارض، وينشغل في فك اللغز الذي صنعه بنفسه.

فالتناقض بين ثنائية الدين والقومية لم يكن موجودًا إلا في ذهن النخبة التي ضخمت هذه المشكلة في ظروف معينة، وأخذت تكتب وتصوغ الحلول والمعالجات لهذا التناقض الموهوم.

كما أن المواطن العربي العادي لم يشعر في أي يوم من الأيام بتناقض بين قوميته وقطريته، بين عروبته ووطنيته؛ فعجز النخبة عن معالجة إشكاليات الواقع الحقيقية هو الذي دفعها إلى التعاطي مع هذه العناوين، وكأنها عناوين متناقضة بعضها مع بعض، لا يمكن الجمع بينها، وإنما لا بد من المقايضة بين هذه العناوين. وهنا توزعت القوى الاجتماعية وانفرزت اعتمادًا على اختياراتها الآنفة.

وهذا بطبيعة الحال لا ينفي أنه في بعض الفترات التاريخية، كان الواقع الاجتماعي العربي يبحث عن صيغة للتوفيق بين هذه العناوين.

ولكن هذا لا يدفعنا للقبول المطلق بمقولة أن انشغال الفكر العربي الحديث هو من أجل التوفيق بين هذه العناوين؛ لأن مقتضى التناقض بين هذه العناوين هو دفع الجمهور إلى الفرز والمقايضة بين هذه العناوين لا التوفيق بينها.

3- عدم الوعي بأولويات الواقع؛ إذ إن غياب هذا الوعي هو الذي يدخل الساحة في صراعات وانشغالات ليست ذات أولوية. فالمجتمع الذي يعاني من التخلف الشامل، ولا يدرك أولويات العمل للنهوض بالواقع ودحر أسباب التخلف، هو الذي يصنع واقعًا اجتماعيًا وثقافيًا، لا ينشغل بأولويات أموره، وإنما يبذل جل جهده وطاقته في أمور وقضايا ليست ذات أولوية لمعالجة مشاكله وتجاوز صعابه. فالتلفيقية هي الظاهرة التي ينبغي تشخيصها في الواقع العربي؛ لأنها تشكل أخطر نزعة فكرية وسمت الفكر العربي بطابعها، الأمر الذي يتطلب فهمًا متعمقًا لها، ولأسباب انتشارها وتأثيرها البالغ في مجمل الحياة العربية.

وإن تجاوز هذه المعضلة لا يتحقق عن طريق التكيف مع التخلف ومفاعيله المختلفة؛ لأن هذا التكيف يعيد إنتاج التخلف تحت مسميات ويافطات جديدة.

كما أن التجاوز لا يتم عن طريق الاستنساخ الحرفي لنمط الغرب وعقلانيته، التي حاول ولا يزال أن يعطيها بعدًا معياريًا، بحيث تكون هي المساوقة للعقل.

إننا نرى أن تجاوز الأزمة يتم عن طريق إعادة صياغة الإنسان والجماعة العربية والإسلامية وفق القيم العليا الخالدة، متجاوزين كل رواسب الانحطاط والتخلف.

والتجاوز هنا لا يعني عدم الاستفادة من الفهم البشري للقيم الكبرى، ولكنه يعني أن لا نجعل هذا الفهم سقفًا نهائيًا لتداعيات القيم الكبرى أو الصيغة العملية الوحيدة لترجمة تلك القيم إلى برامج ووقائع إنسانية. وإن صياغة الإنسان والمجتمع وفق القيم العليا، هي التي تؤسس لحضور الإنسان في الحياة.

لأن الغياب الطوعي أو القسري للإنسان والجماعة عن شؤونها ومصيرها ومستقبلها، هو العقبة الأساسية التي تحول دون تجاوز إنساننا العربي والإسلامي لمعضلاته الجوهرية.

ولا شك أن صياغة عقليته وفكره من جديد، هي التي تدفعه إلى الحضور الاجتماعي والثقافي، بحيث إنه يتحول إلى طاقة خلاقة في سبيل تجاوز الأزمات، وتحقيق الغد الأفضل.

ولا بد من القول في هذا المجال أيضًا: إن صياغة الإنسان العربي والمسلم وفق قيمه الإسلامية الكبرى، ستوفر عناصر ضرورية لصناعة التاريخ وهي:

1- علاقة واعية وراشدة مع التاريخ، بحيث لا يتحول التاريخ إلى سجن يحبس الإنسان نفسه فيه، وإنما هو وعاء يحتضن التجربة العربية والإسلامية عبر التاريخ المديد.

والعلاقة الراشدة مع هذه التجربة هي التي تجعل إنسان الحاضر يستفيد الاستفادة القصوى من حركة التاريخ وتجاربه.

2- علاقة حضور وشهود على الواقع والحاضر، بدل الهروب والانسحاب من شؤون الراهن وقضاياه.

فإزالة عناصر التخلف في نظرتنا إلى تاريخنا وراهننا لا تتأتى إلا بتغيير ثقافتنا تجاهها. فلا يعقل لمن يمتلك ثقافة سببية أن ينظر إلى التاريخ بوصفه مجموعة حوادث خارقة، كما أنه لا يمكن لمن يمتلك ثقافة مسؤولة أن يبتعد عن شؤون راهنه، ويهرب من تحديد موقف واضح من أموره ومسائله.

لهذا فإن تغيير ثقافة الإنسان ونظرته إلى نفسه، وإعادة الثقة إلى ذاته، وأنها قادرة على إنهاء واقع التخلف وتجاوز الصعاب، هي القاعدة الضرورية لخلق الوعي الرشيد في علاقتنا بتاريخنا، والالتزام بموقف مسؤول تجاه الراهن الذي يعيشه.