ما زاحم القرآن شيئًا إلا باركه

ما زاحم القرآنُ شيئًا إلا باركه، وما دخل قلبًا إلا أناره، وما صاحب روحًا إلا طهّرها، وما حلّ في بيتٍ إلا أضاء أرجاءه، وما جالس مهمومًا إلا واساه، ولا حائرًا إلا هداه، ولا وحيدًا إلا آنسه، ولا منكسرًا إلا جبر خاطره وأحيا رجاه.
إنه القرآن الكريم؛ كلامُ الله الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنفد كنوزه، ولا تخبو أنواره. كتابٌ إذا ضاقت بك الدنيا وسّع صدرك، وإذا أثقلتك الهموم خفّف حملك، وإذا أظلمت أمامك الدروب أضاء بصيرتك، وإذا تاهت بك الخطى أعاد إلى الحق وجهتك.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
فيا عجبًا لمن يشكو ضيق الوقت، ويغفل عن بركة القرآن في الوقت! ومن يشكو وحشة البيت، وفي بيته مصحفٌ ينتظر التلاوة! ومن يبحث عن راحة القلب في ضجيج الدنيا، وبين يديه كلامُ ربّ الدنيا والآخرة!
اجعل للقرآن من صباحك نصيبًا، تجد في يومك نورًا وترتيبًا، وفي قلبك سكينةً وتهذيبًا. ولا تخشَ أن تزاحم تلاوته أعمالك، فالقرآن ليس عبئًا على وقتك، بل بركةٌ ترجُوها في عمرك، وليس خصمًا من ساعاتك، بل زادٌ لروحك وحياتك.
وإذا ضاق صدرك، فلا تجعل شكواك للناس قبل مناجاة رب الناس؛ اقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وإذا اشتدت عليك الحيرة، فتذكّر قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
أيها الآباء والأمهات، لا تحرموا بيوتكم من أصوات القرآن، ولا تحرموا أطفالكم من حلاوة البيان. دعوا أبناءكم يكبرون على تلاوته، ويتربّون على هدايته، ويستضيئون بحكمته؛ فخيرُ ميراثٍ تتركونه في صدورهم آيةٌ تحفظهم من الضلال، وقيمةٌ تهديهم إلى الكمال.
ولا تجعلوا القرآن ضيفًا في رمضان، أو زائرًا عند الأحزان، بل اجعلوه أنيسًا في كل زمان، ورفيقًا في كل مكان؛ في الرخاء قبل البلاء، وفي الفرح كما في العزاء.
وتذكّروا أن بركة القرآن ليست وعدًا بزوال كل ابتلاء، وإنما هي نورٌ عند العناء، وصبرٌ عند الشقاء، وطمأنينةٌ تُعين على احتمال القضاء.
فما أجمل أن يزاحم القرآنُ أوقاتَنا، حتى لا تزاحم الدنيا قلوبَنا! وأن تمتلئ به بيوتُنا، حتى لا تفرغ من السكينة أرواحُنا!
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وأنيس قبورنا، وشفيعًا لنا يوم لقائك، ولا تجعل حظّنا منه جمال الصوت دون تدبّر المعنى، ولا كثرة القراءة دون صلاح العمل؛ فإن أعظم بركته أن نقرأه بألسنتنا، ونفهمه بعقولنا، ونحيا به في أخلاقنا.



