للبيع… برج إيفل وما حوله


من شاهد مسلسل ”درب الزلق“ لا بد أن يتذكر فؤاد بيه ابن سعيد باشا، وهو يقنع حسينوه بصفقة العمر: شراء الأهرامات ونقلها إلى الكويت.
كنا نضحك. فمن ذا الذي يمكن أن يصدق أن الأهرامات معروضة للبيع أصلًا؟
المفارقة أن مؤلف ”درب الزلق“ لم يذهب بعيدًا في خياله، فقبل المسلسل بنحو ثلاثة عقود، كان في القاهرة رجل باع شيئًا لا يقل غرابة؛ باع التروماي!
كان اسمه رمضان أبو زيد العبد، وعرفته الصحافة المصرية بلقب ”المحتال الطريف“. وفي إحدى رحلات التروماي، جلس بجوار رجل قادم من الريف يُدعى حفظ الله سليمان، يحمل بعض المال ويبحث عن مشروع يستثمر فيه.
فتح معه حديثًا، وعرض عليه أفكارًا لم تعجبه. وحين اشتكى حفظ الله من ازدحام التروماي، باغته رمضان بسؤال:
لماذا لا تشتريه؟
والأغرب أن الفكرة أعجبت الرجل!
ذهب الاثنان إلى محامٍ، وحُرر عقد بيع بمائتي جنيه، دفع منها حفظ الله ثمانين جنيهًا، ووقّع كمبيالات بالباقي.
ثم دفع رمضان للكمساري بقشيشًا، وطلب منه الاهتمام بصاحبه حتى آخر الخط. بالنسبة للكمساري، كان راكبًا يستحق بعض العناية، أما بالنسبة لحفظ الله، فقد كان المشهد دليلًا على أن البائع يعرف موظفيه جيدًا.
اختفى رمضان، وواصل المالك الجديد رحلته، حتى وصل التروماي إلى محطته الأخيرة.
طلب الكمساري من حفظ الله النزول.
رفض، وطالب بإيراد الرحلة!
استغرب الكمساري.
واستغرب حفظ الله استغراب الكمساري.
وانتهى مالك التروماي الجديد في قسم الشرطة.
ولم تكن الحكاية مشهدًا كوميديًا؛ فقد رواها رمضان نفسه للصحافة المصرية بعد خروجه من السجن عام 1948.
لم يبع رمضان التروماي وحده، بل أحاط الصفقة بعقد ومحامٍ وكمساري بدا وكأنه يعترف بالمالك الجديد. تفاصيل صغيرة جعلت المستحيل يبدو معقولًا.
ولم تكن هذه الحيلة حكرًا على القاهرة، ولا على المشترين البسطاء؛ فقد نجحت أيضًا مع تجار محترفين في باريس.
وهناك لم يبع رجل عربة تروماي.
بل باع برج إيفل!
كان فيكتور لوستيغ محتالًا محترفًا، قرأ عام 1925 عن ارتفاع تكاليف صيانة البرج، فبنى على الخبر قصة مفادها أن الحكومة الفرنسية قررت تفكيكه وبيعه خردة.
قدّم نفسه مسؤولًا حكوميًا، واستدعى عددًا من تجار الخردة إلى فندق فاخر، وأبرز وثائق مزورة، مؤكدًا أن الصفقة سرية خشية إثارة الرأي العام.
اختار تاجرًا يُدعى أندريه بواسون، وأقنعه بشراء البرج. ولم يكتف بثمن الصفقة، بل لمح إلى حاجته إلى مقابل شخصي لتسهيل الإجراءات، فدفع له بواسون رشوة فوق الثمن!
غادر لوستيغ فرنسا بأمواله، بينما خجل بواسون من إبلاغ الشرطة بعد اكتشاف الخديعة. ويبدو أن صمته شجع المحتال على العودة ومحاولة بيع البرج مرة ثانية، لكنها لم تنجح.
وبقي برج إيفل، لحسن الحظ، في مكانه.
قد تبدو هذه قمة الجرأة في الاحتيال، لكن لوستيغ، مقارنة برجل سبقه بنحو قرن، كان يلعب في دوري الهواة.
فذلك الرجل لم يبع برجًا.
بل باع دولة!
كان اسمه غريغور ماكغريغور، ضابطًا اسكتلنديًا شارك في حروب استقلال أمريكا اللاتينية، ثم عاد إلى بريطانيا في عشرينيات القرن التاسع عشر حاملًا لقب ”كازيك بوياس“، أي حاكم بوياس.
لم تكن بوياس اسمًا اخترعه من العدم؛ فقد كانت هناك أرض فعلية على ساحل أمريكا الوسطى، وله امتياز مرتبط بها من ملك الميسكيتو.
لكنه حوّل تلك الأرض النائية إلى دولة مزدهرة على الورق، لها حكومة ومؤسسات وموارد طبيعية ومستقبل واعد.
صدر عام 1822 كتاب من 355 صفحة يصف الإقليم، ومعه خرائط ووثائق وشهادات أراضٍ وعملة تحمل اسم بنك بوياس، بل وطُرح قرض باسم المشروع في سوق المال بلندن بقيمة 200 ألف جنيه إسترليني.
تخيل نفسك مستثمرًا قبل أكثر من مئتي سنة: أمامك حاكم يحمل لقبًا رسميًا، وأرض موجودة على الخريطة، وكتاب كامل عنها، وسندات وعملة مطبوعة.
كم شيئًا يجب أن يكون مزيفًا حتى تكون القصة كلها كذبة؟
ثم فعل ماكغريغور شيئًا لا يفعله النصاب العاقل عادة:
أرسل المشترين إلى بضاعته!
أبحرت سفن تحمل مستوطنين اشتروا الأراضي واستبدل بعضهم أمواله بعملة بوياس، وتركوا حياتهم خلفهم نحو وطنهم الجديد.
وصلوا.
وجدوا الأرض.
لكنهم لم يجدوا الدولة التي اشتروها.
لا عاصمة، ولا مؤسسات، ولا البنية التي وعدتهم بها الكتب والخرائط. وجدوا ساحلًا قاسيًا وأمراضًا ونقصًا في المؤن. ومات كثيرون قبل إجلاء الناجين.
وهنا تتوقف الحكاية عن كونها طرفة عن رجل باع دولة؛ لأن وراء الخرائط الجميلة والعملات والسندات قبورًا حقيقية.
ولعل أهم ما تكشفه خدعة ماكغريغور أن أفضل كذبة ليست التي تُختلق بالكامل، بل التي يُدفن داخلها قدر كافٍ من الحقيقة.
قد نظن أن هذه الحيل أصبحت من الماضي، وأن الإنسان المعاصر، بما يملكه من تعليم وتقنية ومصادر معلومات، لم يعد يشتري التروماي أو برج إيفل.
لكن المحتالين لم يتقاعدوا؛ لقد طوّروا أدواتهم.
ففي عام 2008، انكشفت واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي، ارتبطت باسم المستثمر الأمريكي برنارد مادوف، الذي استغل سمعته وشركته الحقيقية وكشوف حسابات مزورة لإيهام مستثمرين ومؤسسات مالية بوجود أرباح واستثمارات لم تكن كما صُوّرت لهم.
لم يحتج مادوف إلى بيع معلم سياحي أو دولة وهمية، بل إلى أوراق تبدو موثوقة، وسمعة تجعل الآخرين أقل ميلًا إلى التشكيك.
واليوم قد لا يحتاج المحتال حتى إلى مقابلتك؛ يكفيه موقع أنيق، أو تطبيق استثماري، أو إعلان عن أرباح مغرية. ومع أدوات الذكاء الاصطناعي، بات تقليد بعض مظاهر المصداقية أسهل من ذي قبل.
تغيرت البضاعة، وبقيت الحيلة.
لكن كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصدق كل ذلك؟
ربما يكون السؤال نفسه هو الخطأ.
فنحن ننظر إلى النصبة بعد انكشافها، مجردة من كل ما جعلها قابلة للتصديق، ثم نسأل بسخرية: كيف صدقها؟
أما الضحايا فلم يروا الكذبة كما نراها اليوم. رأوا عقودًا ووثائق ومسؤولين ومؤسسات، وما يكفي من الحقيقة ليصبح الجزء الكاذب قابلًا للتصديق.
المحتال الناجح لا يبيعك الكذبة، بل يبيعك البيئة التي تجعل الكذبة معقولة.
ثم يأتي دورنا نحن.
الطمع، والخوف من ضياع الفرصة، وهيبة المنصب، أو رؤية الآخرين وهم يصدقون، كلها قد تدفعنا إلى تجاهل السؤال الذي كان ينبغي أن نبدأ به.
والأخطر أن الإنسان، بعد أن يستثمر ماله وثقته في صفقة، قد يجد الاعتراف بخطئه أصعب من الاستمرار في تصديقها. فالتراجع لا يعني خسارة المال وحده، بل مواجهة حقيقة أنه انخدع.
عندها يصبح الشك عدوًا، والتدقيق مضيعة للوقت، والتردد سببًا لضياع ”صفقة العمر“.
وهكذا تستطيع أن تبيع لإنسان تروماي، أو برجًا، أو دولة، أو أرباحًا لا وجود لها.
وبعد كل ذلك، ربما ظلمنا حسينوه حين ضحكنا عليه كل هذه السنوات لتحمّسه في شراء الأهرامات.
على الهامش…
جاع أسد الغابة يومًا، وهدد الثعلب: ”أحضر لي طعامًا، وإلا أكلتك“.
ذهب الثعلب إلى حمار وبشّره بأن الملك قرر تعيينه أميرًا للغابة.
فرح الحمار وذهب معه، فانقض عليه الأسد وقطع أذنيه. فرّ الحمار، فلحق به الثعلب قائلًا: ”وهل يليق بأمير أن يجلس على العرش بأذنين طويلتين؟ الملك كان يهيئك للمنصب!“
اقتنع الحمار وعاد، فقطع الأسد ذيله.
هرب مجددًا، فأقنعه الثعلب بأن الأمير لا يحتاج إلى ذيل أيضًا.
عاد الحمار للمرة الثالثة، فافترسه الأسد، وطلب من الثعلب أن يحضر له قلب الحمار وكبده ومخّه.
أكل الثعلب المخ، وأحضر الباقي.
سأله الأسد:
- وأين مخّه؟
فقال الثعلب:
- لو كان عنده مخ… رجع لك ثلاث مرات؟!



