أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كافئ الناس قبل أن تحتاج إليهم

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالأربعاء 29 يوليو 2026، 9:05 ص
كافئ الناس قبل أن تحتاج إليهم

كم من إنسانٍ لا نتذكر فضله إلا عندما نحتاج إليه؟

قبل أن تمتد يدك إلى الناس، امدد إليهم قلبك، واجعل التقدير والوفاء والإحسان منهجًا دائمًا، لا سلوكًا تفرضه الحاجة.

والمقصود بالمكافأة هنا ليس المال أو الهدايا فحسب، بل كل صور التقدير؛ من كلمة طيبة، وشكر صادق، واحترام، وحفظٍ للجميل، ودعاء، وصدق في المعاملة.

اعتاد بعض الناس ألا يُظهروا تقديرهم للآخرين إلا إذا دعتهم إليهم مصلحة أو حاجة. ولا شك أن ردَّ الجميل خُلُقٌ محمود، لكن الأجمل أن يكون الإحسان سابقًا للحاجة، وأن يكون التقدير نابعًا من القيم لا من الظروف.

وهذا ليس مجرد ذوق اجتماعي، بل هو مبدأ ديني وقيمة أخلاقية وإنسانية. قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
[النحل: 90]

فمن استقرت هذه القيمة في نفسه، احترم الناس وقدّرهم، سواء احتاج إليهم أم لم يحتج. فالإنسان يُكرم لذاته، لا لما قد يقدمه من منفعة.

ونرى هذا في حياتنا كثيرًا؛ فهناك من لا يتواصل مع زميله إلا عند طلب خدمة، أو مع أستاذه إلا عندما يحتاج إلى توصية، أو مع قريبٍ انقطعت أخباره إلا إذا ألمّت به حاجة. وقد لا يقصد الإساءة، لكن الطرف الآخر يشعر بأن العلاقة لم تتحرك إلا عندما حضرت المصلحة.

والناس بطبيعتهم يميزون بين التقدير الصادق، والتقدير الذي تفرضه الحاجة. فالكلمة التي تُقال في وقت الاستغناء يكون وقعها أصدق، والوفاء الذي لا ينتظر مقابلًا يبقى أثره طويلًا في النفوس.

وليس المقصود أن نجامل الناس طلبًا لرضاهم، بل أن يكون احترامهم جزءًا من شخصيتنا. فحين يصبح الإحسان عادة، لا يعود مرتبطًا بموسم أو ظرف، بل يتحول إلى خُلُق يرافق الإنسان أينما كان.

إن العلاقات التي تقوم على الوفاء والاحترام تدوم، أما تلك التي تبنى على المصالح وحدها، فغالبًا ما تضعف بانتهاء أسبابها. ولهذا فإن الكلمة الطيبة، والاعتراف بالفضل، والسؤال عن الناس في غير أوقات الحاجة، كلها صور من الإحسان الذي يعمق الثقة ويقوي أواصر المودة.

الخلاصة

كافئ الناس قبل أن تحتاج إليهم، وأحسن إليهم قبل أن تنتظر منهم إحسانًا. فالتقدير الذي يسبق الحاجة أصدق، والوفاء الذي لا تحكمه المصلحة أبقى، والعلاقات التي تُبنى في أيام الاستغناء هي التي تصمد في أيام الحاجة.

ازرع التقدير قبل أن تحتاج إليه، فإن ما تُقدمه للناس بإخلاص يعود إليك محبةً وثقةً، حتى وإن لم تنتظر منهما جزاءً.