أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

صداقة الثانوي.. الحكاية التي انتصرت على تحديات الزمن

حكيمة الجنوبي · القطيف اليومالأحد 2 أغسطس 2026، 2:48 م
صداقة الثانوي.. الحكاية التي انتصرت على تحديات الزمن

تُبنى بعض العلاقات على المصالح، فما إن تنتهي أسبابها حتى تنتهي معها، بينما تنشأ علاقات أخرى بعفوية وبراءة، فتنمو مع أصحابها، وتزداد رسوخًا كلما مضت السنوات.

لقد تغيّرت ملامح الحياة كثيرًا، وأصبح العالم أكثر سرعة، وتشعّبت العلاقات الاجتماعية، وتعددت وسائل التواصل، حتى بات الإنسان يمتلك مئات المعارف، لكنه قد يفتقد العلاقة الصادقة والعميقة التي تمنحه الشعور بالأمان والانتماء، وفي خضم هذا الإيقاع المتسارع، تظل الصداقة الحقيقية ملاذًا إنسانيًا يخفف أعباء الحياة، ويمنح النفس الطمأنينة والاستقرار.

ومن أجمل هذه العلاقات صداقة الدراسة؛ تلك التي تبدأ بين المقاعد، وجدران الصفوف، وساحات المدارس، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى جزء أصيل من ذاكرة الإنسان وهويته، وما أسطره هنا ليس ضربًا من الخيال أو نسجًا للأحداث، بل هو تجربة واقعية أعتز بها، عشت تفاصيلها بكل ما حملته من محبة وثقة واحترام، حتى غدت مع مرور الأعوام إلى صداقة متينة أشبه بقرابة روحية تربط القلوب قبل أن تجمعها اللقاءات.

بدأت رحلتنا ونحن طالبات في المدرسة، يجمعنا القلم والكتاب والدفتر، ونتبادل الواجبات المدرسية وكأنها مسؤولية مشتركة، وكانت ضحكاتنا تملأ ساحات المدرسة، ونقتسم وجباتنا البسيطة في أوقات الفسحة، فتمنح أيامنا دفئًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة.

ولم تتوقف صداقتنا عند أسوار المدرسة، بل امتدت إلى خارجها، فقد جمعنا السكن في الحي والبلدة نفسها، وروابط الجيرة والقرابة، وزاد من متانة العلاقة ما كان يجمع أمهاتنا من مودة وصلة طيبة، لم تكن صداقتنا قائمة على كثرة الخروج أو المظاهر والتكلف، بل على البساطة؛ لقاءات منزلية تتصدرها أطباق خفيفة، لكنها كانت عامرة بالمحبة والألفة، حتى غدت سعة القلوب أكبر من سعة المكان.

كبرنا معًا، فتزوجت بعضنا، ورُزقت بالأبناء، ونحن على مقاعد الدراسة، بينما واصلت أخريات مسيرتهن الدراسية، والعملية والزوجية، استقبلنا مراحل الحياة بعفوية، نستشعر حجم المسؤوليات التي كانت تنتظرنا من بناء أسرة، وتربية الأبناء، ومواجهة تحديات الحياة.

ومع انتهاء سنوات الدراسة، وتباعد أماكن السكن، ومحدودية وسائل التواصل في ذلك الوقت، أصبحت اللقاءات أقل، لكنها لم تُضعف روابط المحبة، فكنا إذا التقينا في مناسبة، شعرنا وكأن الزمن توقف عند سنوات الدراسة، وأن القلوب استعادت صباها، رغم اختلاف ظروف الحياة وتعدد المسؤوليات.

ومن أجمل ما حافظ على دفء علاقتنا أننا ما زلنا ننادي بعضنا بالأسماء التي عرفناها بها منذ الصغر، بعيدًا عن الكُنى والألقاب الرسمية، أسماء تختصر سنوات طويلة من الذكريات الجميلة، وتعيد إلينا شيئًا من براءة البدايات، كانت لقاءاتنا فرصة لننسى هموم الحياة وضغوطها، ونستعيد شيئًا من أرواحنا، رغم أننا أصبحنا زوجات، وأمهات، ثم جدات.

ولعل المبادرة الأصدق التي منحت صداقتنا عمرًا جديدًا كانت فكرة اللقاء السنوي في أول أربعاء من شهر رمضان المبارك، بدأت هذه العادة قبل ما يقارب 30 عامًا، حين كانت إحدى الصديقات تتواصل مع كل واحدة منا هاتفيًا، قبل عصر الهواتف الذكية والرسائل الجماعية، لتجمع القلوب قبل أن تجمع الأجساد حول مائدة بسيطة، وتساهم من ترغب في إعدادها دون تكلف أو مبالغة، كنّا نشعر حينها أن المحبة وكرم أصحاب المنزل هما الضيافة الحقيقية، فكانت سعة قلوبهم أوسع من المكان الذي يجمعنا.

ومع تطور وسائل التواصل، أنشأنا مجموعة “بنات الثانوي” على تطبيق واتساب، التي بدأت بنحو 20 صديقة، ثم اتسعت اليوم لتضم 37 صديقة، وأصبحت نافذتنا اليومية التي نتبادل عبرها الأخبار من الأفراح والأتراح، وكذلك التهاني والدعوات والمواقف الجميلة، لتقرب المسافات، وتحافظ على وهج العلاقة، وتعيد إلينا شيئًا من روح المدرسة، رغم مرور عقود على التخرج.

ولم يقتصر أثر هذه الصداقة على أفرادها، بل امتد إلى أسرنا وأبنائنا، الذين شاهدوا نموذجًا حيًا للوفاء، وأدركوا أن الصداقة ليست مرحلة تنتهي بانتهاء الدراسة، وإنما قيمة إنسانية يمكن أن تستمر مدى الحياة إذا تأسست على الإخلاص والاحترام والتسامح.

واليوم، حين نجتمع، تتنوع أحاديثنا بين العمل، والأسرة، والأبناء، والأحفاد، وتحديات الحياة اليومية، وقد نختلف أحيانًا في وجهات النظر، لكننا نتفق دائمًا على أن المحبة أسمى من كل اختلاف، وأن السنوات لم تُغيّر جوهر العلاقة، بل زادتها نضجًا وعمقًا.

في زمن أصبحت فيه العلاقات أكثر سرعة وهشاشة، تبقى صداقات الدراسة الأصيلة شاهدًا حيًا على أن الزمن لا يستطيع أن يهزم القلوب التي اجتمعت على الصدق والوفاء، فالمحبة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات، وإنما بصدق المشاعر، واستمرار الود، وحضور الأصدقاء في تفاصيل الحياة مهما تباعدت المسافات وتعاقبت السنين.

وهنا يسعدني أن أقول: أجمل ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة هو هذا الدرس البسيط والعميق، أن الصداقة الحقيقية ليست ذكرى من الماضي، بل استثمار إنساني يمتد أثره في النفس والأسرة والمجتمع، ويمنح الحياة جمالًا لا تصنعه التكنولوجيا ولا يعوضه اتساع شبكات التواصل، كما أن حديثي لأبنتي وأولادي عدة مرات: ستدركون مع الأعوام أن الصداقة التي تنشأ في مرحلة الدراسة وتستمر لها حياة وذكرى جميلة لا يمكن أن تتكرر.