أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

"طرقةٌ… وباب"

عبد الكريم النمر · القطيف اليومالثلاثاء 11 أغسطس 2026، 2:59 م
"طرقةٌ… وباب"

هذه…
حكايةُ يومٍ اجتمع فيه الحب… وعلوُّ الشأن… وطرقةُ باب.

فقد يبلغ الإنسان من المنزلة ما يجعل للقائه حرمة، ولحضوره هيبة، وللأبواب معه حكاياتٌ تبقى ما بقي الدهر.

وفي كل يوم…
أبوابٌ تُطرق كل حين، وأبوابٌ لا تُطرق إلا بإذن.

وأحيانًا…
تبدأ أعظم الحكايات بطرقةٍ لا تكاد تُسمع…
لكن…

من كان ذلك الطارق؟
ولماذا كان استئذانه مختلفًا عن كل طارق؟

ومن في الداخل… حتى يستأذن منهم، وهو الذي يدخل متى شاء، وأنّى شاء، دون استئذان؟

وما هذا الباب… الذي سيبقى ذكرى لكل العاشقين؟

في بعض الأحيان…
لا يحدث شيءٌ في ظاهره يستحق أن يُروى…
بابٌ يُطرق… وصوتٌ يُسمع… وكلماتٌ عابرة…
ثم يمضي كل شيء.

لكن…
قد تكون تلك الطرقة الصغيرة أكبرُ من أن نعرف معناها في لحظتها.

كان رسول الله في مرضه…
يغمى عليه تارة… ويفيقُ اخرى.

عيناه تتفحصان الوجوه… وربما تودعهما، وقلبه يتخاطر مع قلب آخر… يراه وقد ملئت الدموع عينيه.

ورأسه في حجر أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب.

وكان البيت هادئًا على غير عادته.
وفي أحد أركانه… كانت هناك… قريبةً من أبيها، تراقب وجهه بصمت.
وتحاول أن تخفي ما في قلبها من حزن وخوف.

فما أصعب على الإبنة… أن ترى أباها الذي كان ملجأها، مستلقيًا لا يقوى على ما كان يقوى عليه.

كلما أغمض عينيه… تأملت ملامحه، وكلما فتحهما… اطمأنّ قلبها قليلًا.
لم تكن تريد شيئًا…
كانت تريد فقط أن يبقى أبوها أمام عينيها.

وبينما كان السكون يملأ المكان…

طُرق الباب… طرقةٌ هادئة.

رفعت فاطمة عليها السلام رأسها.
لم يكن الطَّرْق شديدًا… لكن صوته اخترق ذلك الهدوء كأنه جاء من مكانٍ بعيد.
قالت:
من ذا؟
فجاءها صوتٌ من خلف الباب:
أنا رجلٌ غريب…
سكت قليلًا… ثم قال:

أتيتُ أسأل رسول الله، أتأذنون لي في الدخول عليه؟

نظرت فاطمة عليها السلام إلى أبيها…
كان رسول الله في غشيته، فقالت للرجل:
امضِ رحمك الله لحاجتك… فرسول الله عنك مشغول.

وانصرف الرجل…
وعاد السكون إلى البيت.
لكن…
كان ثمة شيءٌ في تلك الطرقة لم يُفهم بعد.

لم يمضِ وقتٌ طويل…
عاد… وعادت معه الطرقة.
هذه المرة…كانت أوضح.

رفعت فاطمة عليها السلام رأسها من جديد، ونظرت نحو الباب.

كيف عاد؟
لقد أخبرته أن رسول الله مشغول…
ثم جاءها صوته من خلف الباب:

غريبٌ يستأذن على رسول الله…
أتأذنون للغرباء؟

سكتت فاطمة عليها السلام.
كأنّ في صوته شيء لم تفهمه بعد.

لا إلحاحَ فيه، ولا طلبٌ زائد، ولا ما يوحي بأن وراء الباب رجلًا جاء لحاجةٍ من حوائج الدنيا.

لكن…
لم تكن تعرف من يكون.

وفي تلك اللحظة…
حدث أمرٌ لم تتوقعه.
أفاق رسول الله من غشيته، ورفع رأسه…
وكان ذلك الصوت قد بلغه وهو مغشى عليه.

ثم نظر إلى فاطمة عليها السلام وقال:
يا فاطمة… أتدرين من هذا؟
نظرت إليه… وقالت:
لا يا رسول الله.
فنظر رسول الله نحو الباب…
ثم قال:

هذا مفرّق الجماعات، ومنغّص اللذات…
هذا ملك الموت.

ثم قال:
ما استأذن والله على أحدٍ قبلي، ولا يستأذن على أحدٍ بعدي…

ثم نظر لهم جميعاً وقال:
استأذن عليَّ لكرامتي على الله…

عندها…
فهمت فاطمة عليها السلام أن ذلك الغريب لم يكن غريبًا كما ظنّت.
وأن تلك الطرقة… لم تكن ككل الطَّرَقات.

فقال لها رسول الله:
ائذني له.

اقتربت فاطمة عليها السلام من الباب…
ولعلها في تلك اللحظة لم تكن تريد أن تفتح بابًا… سيكون له من الشأن ما لا يعلمه إلا الله.

ثم قالت:
ادخل رحمك الله.
فدخل…
كريحٍ هفهافة…
وألقى السلام:
السلام على أهل بيت رسول الله.
وفي تلك اللحظة…
لم يعد في البيت مجرد طارقٍ وغريب…
بل صار كل شيءٍ مختلفًا.

ثم…
التفت رسول الله إلى عليٍّ عليه السلام.
كان الصمت يملأ المكان…
وكأنّ البيت كله كان يصغي.
وفي تلك اللحظات…
لم تكن الكلمات كثيرة، لكن كل كلمةٍ منها كانت أثقل من أن تمرّ عابرة.

أوصاه رسول الله…
أن يصبر على مصائب الدنيا…
وأن يحفظ فاطمة عليها السلام.

هل بكى رسول الله وهو يوصي علياً بفاطمة؟
لا أدري…
فالتاريخ لم يحفظ لنا دموع تلك اللحظة.
أو لعل بعض الدموع… أكبر من تحفظها الكتب.

ثم أوصاه بجمع القرآن…
وقضاء دينه…وغسله…
وأوصاه أن يعمل حول قبره حائطًا.

ثم…
كانت وصيته التي تمس القلب أكثر من غيرها:
أن يحفظ الحسن والحسين عليهما السلام.

أبناءٌ صغار…
كانا بالأمس يركضان إلى جدّهما، ويجدان في حضنه المكان الذي لا يخافان فيه شيئًا.

أما اليوم…
فكان رسول الله يترك لعليٍّ أمانةً أخرى:
أن يحفظهما…حين لا يكون هو هناك.

ولعل عليًا عليه السلام في تلك اللحظة لم يكن يسمع الوصايا بأذنيه فقط…
بل كان قلبه يعرف أن بعض الكلمات…
حين يقولها الحبيب، لا تكون مجرد وصايا.
تكون أمانات تُحمل إلى آخر العمر.

وهنا…
ربما ندرك شيئًا من علوِّ مقام رسول الله.

فهذا هو الحبيب المصطفى…
الذي أكرمه الله بما لم يكرم به أحدًا من خلقه، حتى كان لرحيله من الدنيا استئذانٌ لا يشبه رحيل سائر البشر.

ولم تكن تلك الطرقة تكشف مكانة النبي وحده… بل كشفت أيضًا مكانة ذلك البيت.

ففيه رسول الله… أفضل الأولين والآخرين.

وفيه علي…نفس النبي.

وفيه فاطمة… روح النبي…

وفيه الحسن والحسين سبطا النبي… سيدا شباب أهل الجنة.

يا له من بيت…
اجتمع فيه من الفضل والشأن والشرف والمقام ما لم يجتمع في بيتٍ مثله.

وحتى ملك الموت…أحد الأربعة الملائكة المقربين عند الله…

لم يدخل ذلك البيت كما يدخل بيتًا آخر.
استأذن…
وانتظر الإذن.

ولعل أعجب ما في الحكاية…
أن كل ذلك بدأ بطرقةٍ على باب.
طرقةٌ ظنّتها فاطمة عليها السلام طرقةَ غريبٍ جاء لحاجة…

فإذا بها…
طرقةٌ وقف عندها ملك الموت، واستأذن قبل الدخول.

طرقةٌ …
دخل منها ملك الموت بإذن.
ثم بقي الباب…

وبقيت خلفه حكايةُ بيتٍ لم يكن بعد ذلك اليوم… كما كان قبله.