حين يؤلمنا سوء الفهم

أحيانًا نقول كلمة عابرة لا نقصد بها أي إساءة، لكن الشخص الذي أمامنا يفهمها بطريقة مختلفة تمامًا عما أردناه، وربما ينتهي الموقف عنده ويمضي في حياته، بينما نبقى نحن نفكر في تلك الكلمة ونعيدها في أذهاننا، ونتمنى لو أننا استطعنا أن نوضح ما كنا نقصده.
المؤلم أن الإنسان قد يكون صادق النية، ولم يخطر بباله أن يجرح أحدًا، ومع ذلك يجد نفسه أمام موقف يتمنى لو أنه لم يحدث، أو لو أنه اختار كلماته بطريقة أخرى.
هناك من يحمل هذا الموقف في قلبه أيامًا وأشهرًا وربما أكثر من ذلك، وكلما تذكره شعر بالضيق وتأنيب الضمير، ليس لأنه تعمد الإساءة، بل لأنه يخشى أن يكون قد ترك في نفس إنسان آخر أثرًا مؤلمًا لم يكن يقصده.
وقد تكون المشكلة أن الفرصة لم تأت لتصحيح سوء الفهم، وربما حاول الإنسان أن يوضح قصده فلم يستطع، أو حالت الظروف بينه وبين الشخص الآخر، فبقي الكلام عالقًا في نفسه لا يعرف كيف يتخلص من ثقله.
والغريب أن الشخص الذي أساء فهم الكلمة قد يكون نسيها تمامًا ومضى في حياته، بينما بقي قائلها أسيرًا لها، يسترجعها كلما خلا بنفسه، وكأن الموقف حدث بالأمس.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده: هل كل كلمة أسيء فهمها تستحق أن نعاقب أنفسنا بسببها كل هذه المدة؟
لا شك أن علينا أن نراجع كلامنا وننتبه إلى مشاعر الآخرين، فالكلمة قد تجرح حتى لو لم نقصد بها الأذى، لكن من المهم أن نفرق بين من يتعمد الإساءة ومن يخطئ في التعبير أو لا يحالفه التوفيق في إيصال قصده.
فالنية الطيبة لا تمنع وقوع الخطأ، لكنها تجعل الإنسان أكثر حرصًا على تصحيحه متى استطاع، وتأنيب الضمير شعور يعرفه جيدًا من لا يهون عليه أن يكون سببًا في حزن إنسان آخر، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول مراجعة النفس إلى عذاب مستمر، نستعيد معه الموقف مرة بعد مرة، وكأننا نستطيع بتكرار الألم أن نغير ما حدث.
إذا كانت لدينا فرصة للتوضيح فلنحاول، وإذا شعرنا أن كلماتنا جرحت أحدًا حتى وإن لم نقصد ذلك، فلا عيب في الاعتذار، بل قد يكون الاعتذار دليلًا على طيبة النفس وحرصها على مشاعر الآخرين.
أما إذا لم تعد هناك فرصة للكلام، فعلينا أن نتعلم كيف نترك للماضي مكانه، وأن نتوقف عن محاكمة أنفسنا إلى ما لا نهاية بسبب موقف لم تكن نيتنا فيه سيئة.
فليس كل من أخطأ في كلمة إنسانًا سيئًا، وليس كل من تألم من سوء الفهم ضعيفًا.
بعض القلوب تتعب لأنها لا تريد أن تؤذي أحدًا، وبعض الضمائر تبقى مستيقظة طويلًا لأنها تخشى أن تكون قد جرحت قلبًا دون أن تدري.
وربما علينا أن نتذكر أن سلامة النية لا تعني أن كلماتنا لا تؤذي، وأن الندم وحده لا يصلح ما حدث، لكنه قد يكون بداية لفهم أنفسنا والتعلم من أخطائنا.
صدق النية لا يعفينا من مسؤولية كلماتنا، لكنه يمنحنا فرصة أن نتعلم من أخطائنا دون أن نبقى أسرى لها إلى الأبد…



