سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (١٠): جراح الكلمات التي لا تُرى

كيف يمكن تصور البدايات لخدش وكسر للنفس يقع بين صديقين؟
البعض يتصور أن جرح المشاعر ناتج عن حدث صعب وكبير أوجد بؤرة زعل، ولكن الحقيقة أن الكثير من تلك الآلام العاطفية كانت بسبب كلمة تبدو أنها عابرة، ولكنها كانت القسوة حيث أحدثت جرحاً غائراً وخصوصاً إذا لم يعقبها معالجة واعتذار.
وما يؤجج ويوسع من التباعد العاطفي وما يتلوه من أحداث مؤسفة هو الاستمرار في الإساءة، من خلال تعليق ساخر أو مزاح ثقيل يتجاوز الخطوط الحمراء لاحترام شخصية الآخر وخصوصياته. فالكلمة كالسهم المنطلق الذي يبدأ أثرها بعد النطق بها ووقوعها المؤلم والصعب في نفس الصديق، وتتحول إلى تجربة نفسية مريرة تستقر في الذاكرة كنقطة سوداء، وتعيد تشكيل شعور الإنسان تجاه نفسه وتجاه الشخص الذي صدرت عنه.
وهذا لا يعني أن العلاقات الناضجة والمتينة بين الأصدقاء شفافة تنهار من أول تجاوز أو إساءة غير مقصودة، ولكن هذا لا يعني سهولة التعامل مع الكلمة المؤلمة وكأنها أمر لا يستحق الوقوف عنده ولا يستحق كل ذلك التعامل والاهتمام والتأثير.
وردة الفعل تمثل الخطوة الأخرى في اتجاه اتساع رقعة الإيلام في حالة الصمت أو الرد عليها؛ فقد يصمت بسبب أنه يخشى أن يؤدي التعبير عن ألمه إلى خلاف أكبر، أو أن يؤدي الدفاع عن كرامته إلى خسارة علاقة يحرص على بقائها. وهنا تنشأ مفارقة نفسية عميقة قد لا تلفت نظر البعض ولا يأخذها مأخذ الجد والتدقيق؛ إذ قد يبدو الصمت علامة على التسامح ونسيان الموقف وخفائه من الذاكرة، بينما يكون في حقيقته محاولة لاحتواء الألم وتأثيره وتأجيل المواجهة.
ولكن مع تكرار المواقف المؤلمة والجارحة قد يتشكل تراكم في الذاكرة العاطفية، حتى يصبح الموقف الجديد استدعاءً للمواقف السابقة وتجديد محطات الألم، وتغدو الكلمة الصغيرة مثقلة بتاريخ طويل من الخيبات؛ ولذلك قد تكون ردة فعل الإنسان القوية تجاه عبارة معينة محيرة وأكبر مما يتوقعه الآخرون؛ لأنهم يرون العبارة الأخيرة وحدها، بينما يعيش المتألم مجموع التجارب التي سبقتها لتشكل بمجملها كرة متدحرجة تحطم في النفس المواقف واللحظات الجميلة.
ومن العوامل لعدم تقدير الأثر الجارح لكلمة قاسية هو نظر قائلها بأنه ألقاها «على نياته» ولم يقصد أي إساءة ولا يستحق كل هذا الانزعاج، ولكنه يغفل أن حسن النية لا يلغي بالضرورة سوء الأثر، وأن المزاح لا يمنح صاحبه حصانة من مسؤولية ما يتركه في نفوس الآخرين من شعور الإهانة أو الانتقاص أو الخذلان أو فقدان الأمان في تلك العلاقة.
فإعادة الثقة من جديد تحتاج إلى معالجة واهتمام وتوثيق لمستقبل يخلو من أمثالها، وإلا فإن ذلك التراكم السلبي للإساءات أو المزاح الثقيل سيكون كالصدأ تتآكل معه المودة والاحترام شيئاً فشيئاً. فالشعور بثقل تلك الصداقة والثمن المدفوع من قبله وهو تحمل الإساءات وأنه مطالب - باستمرار - بتحمل ما يؤذيه، وأن مشاعره لا تجد من يصغي إليها أو يعترف بمشروعيتها… فإن النضج في التعامل يظهر في القدرة على إدراك أثر الكلام قبل إطلاقه، وفي الشجاعة للاعتذار حين يتبين أن كلماتنا تجاوزت حدود المقبول.



