حاجة النفس إلى الترويح

ربما تشعر بالملل، لسببٍ أو لآخر، إلى درجة الإعراض حتى عن الأشياء التي تُعدّ من هواياتك ومما تحبّه نفسك! فيصيبك الفتور والسأم من «الروتين» اليومي، وقد يمتدّ ذلك حتى إلى العبادات، فتجد نفسك في حالة إدبار. وهنا نلاحظ أن التراث العربي زاخر بالروايات والأقوال التي تحثّ على ترويح القلوب وتسلية النفوس، مثل:
«روِّحوا القلوب ساعةً بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت». ومثل قولهم:
«إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم».
ومن الطريف ما يُروى عن أحدهم في تبريره لشيءٍ من الترويح، وإن بدا فيه مسحة من الباطل. وهنا أنقل كلامه، وليس بالضرورة أن أوافقه الرأي، إذ قال: «إني لأجمّ نفسي ببعض الباطل مخافة أن أحمل عليها من الحق ما يُملّها».
وفي حالات ضعف البدن والحال، تكثر شكوى الملل والسأم، وتغلب النظرة السوداوية والتشاؤم، لا بسبب تكرار الشيء ذاته فحسب، بل لغياب الطاقة والرغبة. فها هو المعري يرى في الموت راحةً للجسد، ويقول:
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريحُ
الجسمُ فيها، والعيشُ مثلُ السُّهادِ.
وكذلك المتنبي يربط التأفف من الحياة بضعف الجسد، لا بطول العمر، فيقول:
وإذا الشيخُ قال «أفٍّ» فما ملَّ
حياةً، ولكنّ الضعفَ ملّا.
بل قد يكون الملل نابعًا من طبيعة النفس البشرية التي لا تفتأ تبحث عن لذّة جديدة، وتسأم مما ألفته، وتسعى إلى تنويع حاجاتها. وقد جاءت الفلسفة الأبيقورية بما يشبه الاستسلام العاقل لهذا الأمر؛ إذ ترى أن تجنّب الألم خيرٌ من السعي وراء اللذة، وأن السعادة لا تتحقق بمجرد الإكثار من اللذات، بل بترشيد الرغبات وبلوغ الطمأنينة.
وأطرف ما قرأته مؤخرًا ما أورده الجاحظ في إحدى رسائله، إذ نقل عن أحد الدهاة أنه حين سُئل عن أمتع اللذات، أمر بإخراج الفتيان من المجلس قبل أن يجيب، ثم قال: «أمتعُ اللذات إسقاطُ المروءة!».
وفي مجال الترويح عن النفس، أتذكّر أنني قرأت كتابًا بعنوان كيف تمارس الترويح عن نفسك، من تأليف السيد هادي المدرسي، أشار فيه إلى عدة مجالات تساعد المرء على تحقيق هذه الغاية، منها: السفر، والدعابة، والاختلاء بالذات، ومسامرة الأصدقاء، والرياضة، وممارسة الهوايات المفضلة.



