الصديق المريح

هل انت صديق مريح !!
أم أنك ممن يحذر الواحد منهم !!
ليس كل صديق نرتاح إليه بالضرورة جيداً، وليس كل صديق نتعب معه سيئًا ، هناك صديق تجلس معه على سجيتك؛ تمزح دون أن تحسب كلماتك، وتختلف معه دون أن تخشى أن تتحول المناقشة إلى احراج أو قطيعة أو خصومة ، وهناك صديق من نوع آخر!!! يجعلك تراجع كلماتك قبل أن تنطق بها، وتزن مزاحك قبل أن تطلقه، وتتحفظ في حديثك خشية أن تنقلب جلسة الأنس إلى فشلة أو جدال أو عتاب.
ليش أنت !
قد يتقبل هذا الصديق المزاح من الجميع، لكنه يتحسس منه حين يصدر منك تحديدًا، فتجد نفسك أمام علاقة دائماً متوترة و تحتاج إلى كثير من الحذر والتكلف ، وكلما حاولت التلطف والتنازل، عاد موقف آخر يعكر صفو الجو و العلاقة، فتتساءل: لماذا يحدث هذا بيننا؟
و السؤال الأهم هو: هل يمكن أن نكون نحن أيضًا مصدر إزعاج للآخرين دون أن ندرك؟
ربما نكون أكثر اندفاعًا مما نتصور، أو نبالغ في المزاح، أو نتدخل فيما لا يعنينا، أو نحرج الآخرين ونحن نظن أننا نضفي على المجلس شيئًا من المرح. ولهذا، من المفيد أن نصارح صديقًا نثق به، ونسأله بصدق: هل في أسلوبي أو كلامي ما يزعج ؟ وهل هناك تصرفات أحتاج إلى مراجعتها؟ إذاً معرفة عيوبنا ليست انتقاصًا منا، بل خطوة نحو علاقات أكثر نضجًا وراحة.
حين تجتمع الخصال الجميلة مع الطباع المتعبة!؟
وماذا لو كان الصديق الذي يتعبنا في بعض المواقف قريبًا عزيزًا، تجمعنا به عشرة طويلة، وربما صلة قرابة، وله من الكرم والمبادرات والمواقف الطيبة ما لا يمكن تجاهله؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا ! قد يكون كريمًا، مبادرًا، محبًا للخير، حاضرًا عند الحاجة، لكنه في الوقت نفسه مندفع في مزاحه، لا يحسن اختيار الوقت أو المكان، وقد يصدر منه تصرف يحرج من حوله أو لا يتناسب مع المناسبة ، وحين يلفت أحدهم نظره، بدلًا من أن يتقبل الملاحظة بهدوء، يدخل في دائرة الدفاع عن النفس والجدال، وكأن التنبيه إساءة لشخصه ، ومع تكرار هذه المواقف، يتعلم الطرف الآخر أن يتجنب المواجهة، ويجامل أحيانًا، ويصمت أحيانًا أخرى، حتى لا تتحول لحظة عابرة إلى خصومة طويلة.
المجاملة المستمرة ليست حلًا دائمًا، كما أن المواجهة في كل مرة ليست حكمة.
الأفضل أن تكون الملاحظة هادئة، وفي وقت مناسب، بعيدًا عن إحراج صاحبها ، فإن لم يتقبلها، فليس من الضروري مواصلة النقاش أو محاولة إقناعه بالقوة ، بعض المواقف يكفي أن تنتهي، دون أن تتحول إلى قضية تحتاج إلى حكم وفصل.
حين يتحول المزاح إلى تهريج .
ومن الطباع التي تستحق التأمل، أن يبالغ بعض الأشخاص في الحديث عن إنجازاتهم وعلاقاتهم، حتى تصبح المجالس مساحة لاستعراض ما يعرفونه ومن يعرفونهم. وقد يظهر ذلك حين يلتقي أحدهم بشخص كان طالبًا لديه في الماضي، ثم أصبح طبيبًا أو مهندسًا أو مسؤولًا أو صاحب شأن. فيكرر أنه كان من طلابه، وكأن نجاح ذلك الإنسان امتداد مباشر لإنجازه الشخصي هكذا يفهم ، لا شك أن للمعلم فضلًا عظيمًا، وأن رؤية طلابه ناجحين مصدر سعادة واعتزاز. لكن هناك فرقًا بين الفرح بنجاح طالب، وبين اتخاذ نجاحه وسيلة للمباهاة المتكررة.
فإذا كان للمعلم أثر واضح في اكتشاف موهبة الطالب أو رعايتها أو توجيهه في مرحلة مفصلية من حياته، فإن الاعتزاز بهذا الأثر مفهوم ومستحق. أما مرور الطالب في فصل دراسي كغيره من الطلاب، فلا يمنح المعلم حق المبالغة في ذلك. المعلم الحقيقي يفرح بأن يرى طلابه يتقدمون، ولا يحتاج إلى تذكير المجالس بأنه كان معلمهم في كل مناسبة. ومع ذلك، فإن الاعتراض على هذه المبالغة لا ينبغي أن يتحول إلى معركة لإثبات من هو الأصح. يمكن إبداء الرأي مرة، فإذا تحول الحديث إلى جدال، فالصمت أبلغ من مواصلة النقاش.
كيف نتعامل مع الصديق المتعب؟
ليس من الإنصاف أن نختزل إنسانًا في أسوأ تصرفاته، كما ليس من الحكمة أن نتجاهل تصرفاته المؤذية بسبب خصاله الجميلة.
قد يكون الصديق طيب القلب، كريم اليد، سريع المبادرة، لكنه لا يجيد قراءة المواقف، أو لا يدرك أثر كلماته في الآخرين. وربما ينسى الخلاف بعد انتهائه، بينما يبقى أثره في نفس الطرف الآخر.
والتعامل مع مثل هذه الشخصية يحتاج إلى توازن:
نقدّر خصاله الطيبة .
نضع حدودًا واضحة .
نتجنب الجدال .
نختار المسافة المناسبة .
لا نحول الخلاف إلى حديث المجالس، و لا ينبغي أن تتحول إلى اصطفاف جماعي.
وهنا نقطة مهمة: بعض الأشخاص يميلون إلى العلاقات القائمة على الشلل والتكتلات، وقد تتحول الخلافات الفردية لديهم إلى مواقف جماعية. لذلك، من الحكمة ألا نمنح كل خلاف مساحة أكبر من حجمه، وألا نستدرج أنفسنا إلى معارك لا تستحق.
المسافة لا تعني القطيعة!!!
ليس مطلوبًا أن نحب جميع طباع أصدقائنا، ولا أن نتقبل كل أساليبهم حتى نثبت لهم الوفاء.
يمكن أن نحب الإنسان ونقدّر عشرته، ونعترف بكرمه وطيبته، وفي الوقت نفسه نعرف أن بعض جوانب شخصيته لا تناسبنا. يمكن أن نحفظ له مكانته، ونشاركه المناسبات، ونبادله المعروف، دون أن نضع أنفسنا في مواقف نعرف مسبقًا أنها ستزعجنا ، فالمسافة أحيانًا ليست عقوبة، بل وسيلة (لحماية المودة من التآكل) . والقرب الدائم، حين تصاحبه الحساسية والتوتر، قد يفسد علاقة كان يمكن أن تبقى جميلة لو أُحسن تنظيمها. والأجمل أن تكون هذه المسافة طبيعية، لا مصحوبة بالتجاهل المتعمد أو الاستفزاز أو محاولات الانتقام.
أخيرًا
الصداقة ليست اختبارًا يوميًا لقدرتنا على الاحتمال، وليست مطالبة دائمة بالمجاملة والتنازل. الصديق المريح هو من نستطيع أن نكون معه على سجيتنا، ونختلف معه دون خوف، ونمزح معه دون أن نجرح، ونصارحه دون أن تتحول المصارحة إلى خصومة.
أما الصديق الذي تتعبنا بعض طباعه، فليس بالضرورة أن نتخلص منه أو نحكم عليه بسوء؛ فقد تكون له من الخصال الطيبة ما يجعل بقاءه في حياتنا أمرًا يستحق المحافظة عليه، ولكن بحدود أكثر ملاءمة. وفي المقابل، علينا أن نتذكر أن ما نراه في الآخرين قد يكون موجودًا فينا أيضًا، وأن السؤال عن عيوبنا يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة ملاحظة عيوب غيرنا.
النضج ليس أن نعرف كيف نتجنب الأشخاص المزعجين فحسب، بل أن نعرف أيضًا كيف نتجنب أن نكون نحن أيضاً مصدر إزعاج للآخرين.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه في علاقاتنا أن نحفظ للناس أقدارهم، ولأنفسنا راحتها، وللصداقة ما تستحقه من ود واحترام.



