لا تبخسوا حقوقهم

ليس كلُّ خادمٍ يرتقي المنبر، ولا كلُّ عاشقٍ يُمسك الميكروفون، ولا كلُّ مُحبٍّ تُعرف له صورةٌ أو عنوان؛ فهناك من يخدم باللسان، ومن يخدم بالبنان، ومن يخدم بالعطاء، ومن يخدم بالوجدان. وكلُّهم في ميدان المحبة فرسان، تجمعهم مودة الأطهار، وتظلّلهم راية الوفاء والإحسان.
فلا تبخسوا حقوقهم، ولا تحصروا شرف الخدمة في فئةٍ دون فئة؛ فالمحبة ميدان، ولكلِّ مُحبٍّ فيه مقامٌ وإحسان.
فالشيخُ والسيدُ اللذان يعتليان المنبر، يُحييان القلوب بالذكر، ويُنيران العقول بالفكر، ويُعرّفان الناس بفضائل النبي وعترته؛ خادمان بالعلم والبيان.
والرادودُ الذي يُبكي العيون، ويُحرّك الشجون، ويُلهب القلوب بعشق الأطهار؛ خادمٌ بالصوت والحنان.
والشاعرُ الذي ينظم القصيد، ويُخلّد المآثر ببيتٍ فريد، ويكسو المحبة ثوب البلاغة والجمال؛ خادمٌ بالشعر والخيال.
والكاتبُ الذي يخطُّ كلمةً أو مقالًا أو كتابًا، يُحيي به ذكرهم، وينشر فضائلهم، ويُورث محبتهم للأجيال؛ خادمٌ بالقلم والوجدان.
والقائمون على المساجد والمجالس، من منظّمين ومُنظّفين ومُضيفين؛ خُدّامٌ بالعطاء والتفاني والإتقان.
ولا تنسوا الحاضرَ المُنصت، والمُحبَّ الصامت، والعاشقَ الذي تفيض عيناه، ويخفق قلبه بالمودة والخشوع؛ فهؤلاء أهلُ محبةٍ وإيمان.
قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾. وقال النبي ﷺ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بيتي».
ورُوي عن الإمام الرضا عليه السلام: «رحم الله عبدًا أحيا أمرنا»، وبيّن أن من إحيائه تعلُّم علومهم وتعليمها للناس.
فلا تجعلوا للخدمة بابًا واحدًا، ولا للمحبة ميزانًا يُقصي أحدًا؛ فما كلُّ خادمٍ مشهور، ولا كلُّ مخلصٍ مذكور، وكم من مجهولٍ بين الناس عظيمٍ عند ربِّ الناس.
فشكرًا لكلِّ لسانٍ ذكر، وقلمٍ سطر، وقلبٍ أحبّ، وعينٍ بكت، ويدٍ خدمت، أنتم جميعًا تُكملون بعضكم، فلا يزهو غصنٌ على غصن، ولا يعلو خادمٌ على خادم؛ فالشجرة واحدة، وجذورها المودّة، وثمارها الوفاء.
والله وحده يعلم خفايا القلوب، ويُقدّر صدق النيات، ويجزي أهل المحبة والإحسان.



