إضاءات تربوية في دعاء كميل وقواعد تهذيب النفس (3).. رحلة القرب والوعي

إن مفهوم العبادة يأتي في إطار إعادة ترتيب علاقة الإنسان بخالقه في محراب الطاعة، وعلاقته بنفسه عبر الخوض في مضمار تهذيب النفس من علائق الأهواء والشهوات المتفلّتة، وعلاقته بالآخرين التي تحدّها المحافظة على حقوق الغير والتعامل الإنساني النبيل. وهكذا نجد أن العبادة في مضامينها العالية بوصلة تدير مختلف علاقات الإنسان بعيداً عن الانفعالية أو المزاجية، بل هي ساحة عمل منتظم، وتدقيق في الخطى، وتأمل في الآثار وعواقب الأمور.
فالصلاة ليست مجرد حركات تؤدى دون تآزر مع المعنى والأثر الوجداني الكبير، وإنما هي وقوف العبد المستشعر مقام العبادة ومعاني الركوع والسجود والذكر فيها بين يدي من بيده زمام الوجود كله. كما أن محراب المناجاة والدعاء لا يقتصر على طلب الحاجات وتفريج الشدائد والهموم، وإنما هو عودة القلب إلى ربه، واستقرار لمقام العبودية لله عز وجل، وإقرار بالافتقار إليه في جميع جوانب الحياة.
وهذه الأدعية - كدعاء كميل بن زياد - تكشف للإنسان عالماً آخر من التربية الروحية في أجواء مهيأة لاستقبال معاني الطمأنينة والأنس بذكر الله تعالى، وفهم الحقائق العقائدية والأخلاقية، حيث يتعلم أن الغنى الحقيقي لا يكمن في امتلاك مظاهر القوة المادية المكانة الاجتماعية، بل يبدأ من معرفة معنى الفقر والاحتياج إلى الله في تسيير الأمور؛ فمهما امتلك الإنسان من حنكة عقلية ومهارة مهنية يوظفها في ميدان العمل والإنجاز، فإن أمر التوفيق للنجاح وتحقيق المطالب بيد الله تعالى، يسيرها وفق المصلحة والحكمة والعدالة.
وفي دعاء كميل تتجلى هذه الروح بوضوح؛ حين يخاطب الإمام علي (عليه السلام) ربه بمنطق العبد الذي لا يرى كماله إلا بالقرب من مولاه، فكل ما في هذه الدنيا من مظاهر وزينة زائلة لا تأخذ بشغاف قلب العاقل الأريب. فالظمأ الحقيقي لا يرويه شيء من زوايا الدنيا الظاهرة، ولا يشعره بكمال أو مكانة تؤطر شخصيته، بل إن علاقته بالله تعالى واستمداد القوة منه عز وجل يهبانه الطمأنينة والدافعية في ساحة العمل وصنع المعروف.
وهذا لا يعني انفصالاً أو معاداة للمظاهر المادية بما يُسمى ب”الرهبانية”، بل يجعل من المال والعلم والمكانة الاجتماعية والعلاقات وسائلَ في طريق العبودية والعمران الصالح، بل يقع في صلب تفكيره وعمله أن يسخّر كل طاقاته في ميدان القرب من الله تعالى.
وفي زحام الحياة الدنيا، والظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان، وما يواجهه من شدائد ومِحن، فإن القلب الممتلئ إيماناً يعرف أين يضع أحزانه وحاجاته بين يدي محراب المناجاة. وهذا هو الفرق بين إنسان يعيش الدنيا بحثاً عن ملء الفراغ، وإنسان يعيشها وهو يحمل في داخله معنى يتجاوزها؛ فقد تتغير الظروف وتتسع الممتلكات أو تضيق، وتتبدل العلاقات والمواقع، لكن الصلة بالله تعالى تمنح الإنسان مركزاً ثابتاً وسط عالم متغير.
ولذلك، فإن أعظم رحلة لا تكون دائماً في المسافات التي يقطعها الإنسان خارج نفسه، بل في المسافة التي يقطعها من الغفلة إلى منطقة الوعي وأخذ الحيطة والحذر. فحين يستقر القلب في رحاب الله تعالى، لا تختفي الدنيا من حياة الإنسان، وإنما تفقد قدرتها على أن تكون إلهاً خفياً يطلب منه الإنسان كماله وسعادته.



