نص على نص.. ازدهار في جوهر أنشودة المطر

نزار المصطفى
قبل أن أكتب هذه القراءة، حملت هذا النص إلى مجلس الشاعر الكبير محمد العلي، وقرأته على مسمعه كما تُقرأ النصوص التي يُرجى لها أن تبقى.
كان يصغي في صمت العارف، ويلاحق الجملة كما يلاحق الناقد الخيط الخفي الذي يصل الكلمات بأعماقها. وما إن انتهيت حتى بدا عليه أثر الدهشة، ولم يكن إعجابه عابرًا أو مجاملةً عابرة، بل إعجابًا صادرًا عن قارئ خبر الشعر طويلًا، وعاشر الكلمة عمرًا كاملًا.
سألني أول الأمر: لمن هذا النص؟ فلما قلت له: لشقيقتي ازدهار، لم يصدق. لم يكن سبب عدم تصديقه انتقاصًا من موهبة المرأة، وإنما لأن صاحبة هذا الصوت لم يسبق لها أن نشرت، فإذا به أمام نص يمتلك هذا القدر من النضج، وهذه القدرة المدهشة على أنسنة المطر، وتحويله من ظاهرة كونية إلى كائن حي يحمل الذاكرة والألم والرجاء، ويخاطب الإنسان كما يخاطبه الإنسان.
ثم قرأت عليه نصوصًا أخرى لها، فإذا بدهشته الأولى تتحول إلى يقين، وإذا ابتسامته الهادئة تنطق بما لم ينطقه قبل قليل. قال عنها إنها مبدعة، ورأى في كتابتها صوتًا يستحق أن يخرج إلى القراء، وألحّ عليّ أن أنشر إنتاجها، لأن الموهبة التي تبقى حبيسة الأدراج تخسر نفسها، ويخسرها الأدب أيضًا.
وقد كان لهذا الموقف أثره العميق في نفسي؛ فشهادة شاعر بحجم محمد العلي ليست زينة تُعلّق على النص، وإنما مسؤولية تدعو إلى الاقتراب منه بإنصاف، وإلى قراءته قراءةً تليق بما أودعه كاتبه من روح، وما استشعره قارئه الكبير من جمال.
تكتب ازدهار هذا النص وهي لا تقف أمام قصيدة «أنشودة المطر» بوصفها أثرًا أدبيًا مشهورًا، بل بوصفها تجربة إنسانية ما تزال تنبض في الوجدان.
ولهذا فإنها لا تشرح قصيدة بدر شاكر السياب، ولا تعيد إنتاج معانيها، وإنما تدخل إلى قلبها لتصغي إلى النبض الذي ولّدها.
إنها لا تقرأ المطر كما يظهر في الطبيعة، وإنما كما يتجلى في الوعي الإنساني، لذلك جاء خطابها منذ السطر الأول خطابًا حواريًا مباشرًا مع الشاعر، وكأن الزمن قد انمحى، وأصبح السياب حاضرًا يسمع أسئلتها ويجيب عنها بصمته.
وأول ما يلفت الانتباه أن النص لا يبدأ بالإجابة، وإنما بالسؤال. والسؤال هنا ليس طلبًا للمعرفة، بل أداة كشف.
فقولها: «كيف أصغيت إلى المطر حتى صار في يديك قصيدة؟» ينقل مركز الإبداع من الكتابة إلى الإصغاء. وهذه رؤية دقيقة؛ لأنها تفترض أن الشعر الحقيقي لا يُصنع بالإرادة وحدها، وإنما يولد من قدرة الشاعر على سماع ما لا يسمعه الآخرون. وكأن ازدهار ترى أن السياب لم يخترع القصيدة، بل التقطها من همس المطر نفسه.
ثم يتسع السؤال ليصبح سؤالًا عن القلب لا عن الموهبة. فهي لا تبحث عن براعة لغوية، وإنما عن طبيعة القلب الذي استطاع أن يسمع في ارتجاف الغيم أنين البلاد، وفي لمعان البرق رجفة الأرواح.
وهنا يتحول المطر من ظاهرة مناخية إلى كائن يحمل ذاكرة الألم الجمعي، ويتحول الشاعر إلى وسيط بين الطبيعة والإنسان.
وهذه من أجمل الأفكار التي ينهض عليها النص؛ إذ لا يفصل بين الخارج والداخل، بين الغيم والروح، بل يجعلهما وجهين لحقيقة واحدة.
ويبلغ النص إحدى ذراه الفنية حين تقول إن السياب يقف تحت السماء لا كعابر يبلله الشتاء، بل ككائن قديم يعرف أن للمطر ذاكرة.
إن كلمة «قديم» هنا ليست وصفًا زمنيًا، وإنما توصيف وجودي؛ فهي تمنحه عمق الحكيم الذي خبر العالم طويلًا، وأصبح قادرًا على قراءة الرموز الكامنة في عناصر الكون.
ومن هنا تأتي الجملة اللافتة: «وأن الماء لا يهبط دائمًا من الغيم، بل أحيانًا من تعب العالم». إنها ليست استعارة جمالية فحسب، بل رؤية فلسفية كاملة؛ إذ يصبح المطر نتيجة لتراكم آلام البشر، وكأن السماء تبكي حين يعجز الإنسان عن البكاء.
ولا يكتفي النص باستحضار جمال الصورة السيابية، بل يدخل إلى بعدها الاجتماعي والإنساني. فحين تصف القرى النائمة على جوعها، والسماء التي تفيض بكل هذا الكرم، فإنها تستعيد المفارقة المركزية في «أنشودة المطر»: وفرة الطبيعة في مقابل فقر الإنسان. لكنها لا تنقل الفكرة كما هي، وإنما تعيد صياغتها بلغة جديدة تجعل المفارقة أكثر قسوة؛ لأن الخير موجود، غير أن العدالة غائبة.
ومن هنا تأتي الصورة المؤلمة للغريق الذي يرفع يديه إلى شيء لن يصل إليه، وهي صورة تختصر مأساة الإنسان حين يصبح الرجاء نفسه بعيد المنال.
ويكشف النص عن وعي عميق برؤية السياب للوطن. فهو لا يختزل العراق في حدوده الجغرافية، وإنما يراه جرحًا يمشي في الصوت. وهذه قراءة دقيقة جدًا؛ لأن الوطن عند السياب لم يكن مكانًا، بل حالة شعورية، وكان الألم الوطني جزءًا من تكوينه الداخلي. ولذلك فإن ازدهار لا تقول إن السياب وصف العراق، بل تقول إنه حمله في صوته، وكأن الصوت نفسه أصبح وطنًا متنقلًا.
وتتجلى حساسية النص النقدية أيضًا في إعادة تأويل رموز السياب الكبرى. فالنخيل لا يعود نباتًا، بل أرواحًا طويلة ترتجف على ضفاف التعب. والمطر نفسه لا يصبح رمزًا للخلاص المطلق، بل كائنًا يبكي لأنه عاجز عن إنقاذ أحد.
وهذه النقلة في الدلالة تكشف أن الكاتبة لا تنظر إلى الرمز بوصفه معنى ثابتًا، وإنما بوصفه كائنًا حيًا تتغير وظائفه داخل التجربة الإنسانية. فحتى المطر، وهو رمز الحياة، يعجز أحيانًا أمام ضخامة المأساة.
أما خاتمة النص فهي من أكثر أجزائه نضجًا؛ لأنها تميز بين من يكتب بالكلمات ومن يكتب بالارتعاش. وهذا التفريق يمس جوهر الشعر الحقيقي.
فالكلمات يمكن أن يتقنها كثيرون، أما الارتعاش فلا يكتبه إلا من عاش التجربة حتى أصبحت القصيدة امتدادًا لجهازه العصبي وروحه معًا.
ولهذا تبدو عبارة «لم تخرج من الحبر ولكن من قلب ظل واقفًا طويلًا تحت عاصفة لا تنتهي» تلخيصًا بالغ العمق لتجربة السياب كلها؛ فالحبر هنا يفقد قيمته أمام المعاناة، والقصيدة لا تُولد من اللغة وحدها، بل من الألم حين يبلغ درجة النقاء.
أما النهاية: «لا أسمع وقع القطرات، بل أسمع السماء وهي تحاول، بحزن نبيل، أن تعتذر للأرض» فهي ليست خاتمة إنشائية، بل خلاصة الرؤية كلها.
فالمطر لم يعد ماءً، والسماء لم تعد فضاءً، والأرض لم تعد تربة؛ لقد تحولت العناصر الكونية إلى أطراف في مأساة أخلاقية كبرى، تحاول فيها السماء الاعتذار عن عجز العالم عن تحقيق العدالة والرحمة. وهذا الاعتذار ليس اعتذارًا عن قلة المطر، بل عن كثرة الألم.
في مجمله، ينجح هذا النص في تحقيق أمر بالغ الصعوبة؛ فهو لا يقرأ «أنشودة المطر» من خارجها، ولا يغرق في شرحها، وإنما يحاور روحها، ويعيد اكتشاف جوهرها بلغة جديدة تحتفظ بأثر السياب دون أن تقلده.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن في حديثه عن شاعر كبير، بل في قدرته على النفاذ إلى المنطقة التي وُلدت منها القصيدة نفسها، حيث يمتزج المطر بالحزن، والوطن بالجرح، والشعر بالإنسان.
وهذه هي القراءة التي لا تقف عند النص، بل تدخل إليه حتى يصبح النص نفسه هو الذي يقرأ قارئه.

يا بدر
كيف أصغيتَ إلى المطر
حتى صار في يديك قصيدة؟
أيُّ قلبٍ كان يسكنك
ليسمع في ارتجاف الغيم
أنينَ البلاد
وفي لمعان البرق
رجفةَ الأرواح المتعبة؟
أراك واقفًا تحت السماء
لا كعابرٍ يبلّله الشتاء
بل ككائنٍ قديم
يعرف أنّ للمطر ذاكرة
وأنّ الماء لا يهبط دائمًا من الغيم
بل أحيانًا
من تعبِ العالم
في أنشودة المطر
كان الليلُ رطبًا كالحزن
وكانت القرى البعيدة
تنام على جوعها
بينما السماء
تفيض بكلّ هذا الكرم
يا للمفارقة التي كسرت صوتك
أن يهطل الخير من الأعلى
ويبقى الإنسان في الأسفل
جائعًا
يرفع عينيه للمطر
كما يرفع الغريق يديه
لشيءٍ لن يصل إليه
وحين كنتَ تنادي العراق
لم يكن الوطن أرضًا فقط
هو جرحًا واسعًا
يمشي في صوتك
حتى النخيل عندك
لم يكن شجرًا
هي أرواحًا طويلة
ترتجف على ضفاف التعب
والمطر نفسه
بدا كأنّه يبكي
لأنّه عاجز عن إنقاذ أحد
يا بدر
هناك شعراء يكتبون بالكلمات
أما أنت
فكنتَ تكتب بالارتعاش
كأنّ القصيدة
لم تخرج من الحبر
ولكن من قلبٍ
ظلّ واقفًا طويلًا
تحت عاصفةٍ لا تنتهي
ولهذا
كلّما قرأتُ أنشودة المطر
لا أسمع وقع القطرات
بل أسمع السماء
وهي تحاول، بحزنٍ نبيل
أن تعتذر للأرض



