القرآن أولًا 14| الرضاع… حصر أم توسعة؟

الشيخ علي الفرج
من المسائل التي تؤكد بوضوح عن أثر الاختلاف المنهجي بين مرجعية القرآن ومرجعية الرواية، دائرة المحرمات بالرضاع.
فالقرآن لم يذكر من المحرمات بالرضاع إلا صنفين لا ثالث لهما، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ… وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
وقد اقتصر القرآن في باب الرضاع على ذكر الأم والأخت، ثم سكت، بل لم يسكت في ذكر الحصر بل قال تعالى بعد استيفاء المحرمات الزوجية: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾، وهو ظاهر في إباحة كل ما لم يرد النص على تحريمه، فلا موجب للتعدي عن القدر المنصوص.
إلا أن جمهور فقهاء الإمامية، اعتماداً على الرواية المشهورة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ألحقوا بالرضاع جميع المحرمات بالنسب، فجعلوا الأب والجد والجدة، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأبناء الإخوة وبناتهم، وأبناء الأخوات وبناتهن، وسائر ما يثبت بالنسب، ثابتاً بالرضاع أيضاً، مع اتفاقهم على أن الرضاع لا يثبت الإرث، ولا النفقة، ولا بقية آثار النسب، وإنما يختص بحرمة النكاح والمحرمية.
وهنا يبرز التعارض المنهجي بين النص القرآني والرواية؛ إذ إن القرآن حصر التحريم في موردين، بينما وسعت الرواية دائرة التحريم إلى جميع ما يحرم بالنسب.
ويمكن تخريج الروايات على ثلاثة وجوه، يتضح من خلالها إمكان الجمع بينها وبين ظاهر الآية:
التخريج الأول:
حمل الرواية على الحكم الولائي، وبناءً على هذا الوجه، لا تكون الرواية بصدد تشريع حكم إلهي دائم، وإنما هي حكم ولائي صدر من النبي أو الإمام لمصلحة اجتماعية في زمانه، كما هو الشأن في سائر الأحكام الولائية التي تدور مدار وجود ولي الأمر والمصلحة التي اقتضتها، وإن الحكم ينتهي بانتهاء ولايته، إلا إذا أمضاه الإمام اللاحق.
وبذلك لا تكون الرواية مخصصة للقرآن، ولا منشئة لتحريم أبدي خارج دائرة النص القرآني.
التخريج الثاني:
أن يراد بالتحريم الكراهة الشديدة، وهذا الوجه تؤيده جملة من الروايات التي استعمل فيها لفظ «الحرام» في موارد روايات أهل البيت عليهم السلام.
ومثال ذلك ما روي عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا يصلح أكل شيء من السباع، إني لأكرهه وأقذره».
وفي مقابلها ورد عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، حرام».
ومع أن الرواية الثانية عبّرت بلفظ «حرام»، إلا أن الرواية الأولى فسرت المراد بالكراهة والتنزه، مما يؤكد أن لفظ التحريم في لسان الروايات قد يستعمل في معنى أوسع من الحرمة الاصطلاحية، فيشمل الكراهة المغلظة والتنفير الشديد.
ولا يخفى أن التخريج الأول هو الأوفق بظاهر الآية الشريفة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ…﴾، فإن ظاهرها حصر المحرمات في الحيوانات المأكولة في أربعة أصناف، فلا يصح التعدي عنها.
والنتيجة لا يمتنع حمل قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» على إرادة مراتب مختلفة من المنع؛ فتكون الأم والأخت من الرضاع داخلتين في التحريم الإلزامي، وأما سائر الأقارب المذكورين في الروايات، فيكون المنع فيهم تنزيهياً شديداً، لا تحريماً إلزامياً.
التخريج الثالث:
وردت رواية صحيحة عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ابنة الأخ من الرضاع: لا آمر به أحداً ولا أنهى عنه، وأنا أنهى عنه نفسي وولدي. فقال: عرض علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنة حمزة، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: هي ابنة أخي من الرضاع».
وظاهر هذه الصحيحة أن الإمام (عليه السلام) لم يثبت حكماً إلزامياً عاماً، إذ قال: «لا آمر به أحداً ولا أنهى عنه»، وهو تعبير ظاهر في عدم الإفتاء بالوجوب أو الحرمة، ثم أتبع ذلك بقوله: «وأنا أنهى عنه نفسي وولدي»، وهو لسان يناسب الورع والاحتياط الشخصي، لا إنشاء حكم شرعي ملزم.
ولهذا اختلفت آراء الفقهاء في توجيه هذا الظاهر؛ فمنهم من حمله على التقية، ومنهم من صرف دلالته إلى معنى آخر، ومنهم من رجح عليه الروايات الأخرى لكثرتها.
غير أن هذه الرواية الصحيحة، إذا قُرئت في ضوء مرجعية القرآن، انحصر وجهها الصحيح في تخريج واحد، وهو المتطابق تمامًا مع ظاهر الكتاب.
والنتيجة المستخلصة أن القرآن لم يثبت من المحرمات بالرضاع إلا الأم والأخت، وهما القدر المتيقن الذي دل عليه النص تمامًا، وأما الروايات، فلا تقتضي أكثر من الكراهة الشديدة.



