حنان دهيم.. وسام الملك عبدالعزيز.. ووسام الأخوة

صفوى: أمل سعيد
أمس الأول الخميس، كان اسم حنان دهيم بين 200 ممنوح وسام الملك عبدالعزيز. هذا التكريم جاء نظير تبرعها بإحدى كليتيها لشقيقتها وجدان.
الوسام تكريم يختصر في ظاهره فعلا نبيلاً، لكنه لا يقول كل ما جرى خلفه؛ لا يقول شيئاً عن أخت كانت تبكي على سرير المستشفى خوفاً من أن يترك المرض طفلتها الصغيرة من دونها، ولا عن رسالة “واتساب” غيّرت مسار الحكاية، ولا عن أم عاشت عاما كاملاً تحت سقف العائلة من دون أن تعرف أن إحدى بناتها تخضع للغسيل الكلوي، ثم لم تعرف أن ابنتها الأخرى تستعد لمنحها كليتها.

قبل الوسام بوقت طويل، لم تكن حنان تفكر في تكريم، ولم تكن وجدان تعرف إلى أين سيأخذها المرض.
كانتا فقط أختين أمام لحظة قاسية؛ واحدة أخبرها الطبيب أن حياتها باتت بحاجة إلى كلية جديدة، وأخرى لم تحتج إلا إلى رسالة واحدة لتقرر أن تكون هي المتبرعة.
“لا تهتمي ولا يكون في بالك.. أنا أتبرع لك بكليتي”.
بهذه الكلمات بدأت حكاية الوسام، أما الحكاية نفسها فبدأت قبل ذلك بكثير، من هيموجلوبين كان ينخفض باستمرار، وتنويم في المستشفى بسببه مرة بعد أخرى، من دون أن تدري أن إحدى مراجعاتها المعتادة ستكشف مرضا أكبر بكثير.
أظهرت التحاليل ارتفاعا كبيرا في وظائف الكلى، وأخبرها الطبيب أنها بحاجة إلى الغسيل الكلوي.
منذ تلك اللحظة دخلت وجدان مرحلة جديدة من المرض، وخضعت للغسيل الكلوي البريتوني لمدة عام كامل، لكن اللافت أن أقرب الناس إليها لم تكن تعرف شيئا: أمها.
أخفت وجدان مرضها عن والدتها خوفا عليها، فيما كان إخوتها وأخواتها وحدهم يعرفون ما تمر به، ظلوا طوال تلك الفترة يحملون معها عبء المرض وعبء إخفائه، بينما كانت حالتها الصحية تزداد سوءا.
حتى جاء اليوم الذي لم يعد فيه الغسيل كافيا، وأخبرها الطبيب أنها أصبحت في حاجة ماسة إلى زراعة كلية.
وعلى سريرها في المستشفى، لم تستطع وجدان أن تتمالك نفسها،بكت، ولم يكن المرض وحده ما أخافها، كان خلف خوفها ابنتها الصغيرة التي تنتظرها، وسؤال ثقيل أخذ يلح عليها: ماذا سيحدث لها لو جرى لي شيئاً؟

أمسكت هاتفها وكتبت إلى أختها حنان وأخبرتها بما قاله الطبيب، وبحاجتها إلى زراعة كلية، وكتبت لها عن خوفها على أبنائها.
قرأت حنان الرسالة، ولم يكن ردها مواساة عابرة، ولم تطلب من أختها الانتظار حتى يبحثوا عن متبرع.
كتبت إليها بثبات “لا تهتمي ولا يكون في بالك.. أنا أتبرع لك بكليتي”.
وفي غمرة الحديث بين الأختين، وبين خوف كل واحدة منهما على الأخرى، ذهبت حنان أبعد من ذلك، وقالت لأختها “لو تحتاجي قلبي أعطيك إياه، فما بالك بكلية واحدة”.
كانت تلك الكلمات كافية لأن تجعل وجدان تهدأ قليلا، وأن تبدأ في النظر إلى ما ينتظرها بعقلانية أكبر.
أما بالنسبة إلى حنان، فلم تكن الرسالة وعداً قيل في لحظة تأثر، فمنذ أن كتبتها، كانت قد اتخذت قرارها.

حياة جديدة
بدأت رحلة الفحوصات، تحليل يتبعه آخر، وفحص يقود إلى فحص، لمعرفة مدى توافق حنان مع أختها وإمكان تبرعها لها.
وفي البيت، بقي السر كما هو، الإخوة والأخوات يعرفون أن وجدان مريضة، ويعرفون ما تنوي حنان فعله، بينما الأم لا تعرف شيئا عن الخبرين معا.
كانوا يخشون عليها من وقع معرفة أن ابنة تحتاج إلى زراعة كلية، وأن ابنة أخرى ستدخل غرفة العمليات لتمنحها واحدة من كليتيها.
حاول شقيقهما حسين أن يجعل حنان تتريث، وأن تتاح لبقية الأخوة فرصة إجراء الفحوصات، لكن جوابها كان حاسما “أبدًا.. لا أحد سواي من سيهب لأختي حياة جديدة”.
تقول حنان إنها، منذ اللحظة التي أرسلت فيها رسالتها إلى وجدان، لم تشعر بخوف أو تردد تجاه ما هي مقدمة عليه، بل كان الشعور مختلفاً تماماً.
“كنت أشعر أنني أسعى لشيء أريده وأحبه”.
حتى أسرتها الصغيرة لم تقف في طريق قرارها، زوجها وأبناؤها لم يعترضوا، وإن كان الزوج قد واجهها في البداية بسؤال حمل في داخله شيئا من قلق الشريك وخوف الأبناء “متأكدة أنك تريدين أن تخضعي لعملية جراحية وتتبرعي بكليتك؟”، تقول حنان “أتذكر أنني قرأت في كلماته بعض الخوف على الشريك”.
لكن جوابها لم يحمل ترددا “طبعا متأكدة.. بل وسعيدة”.

قطعة حلوى
مضت حنان في سلسلة طويلة من الفحوصات، وكان كل فحص يحمل احتمالا بأن تتوقف الرحلة إذا لم تكن النتيجة مناسبة.
لكنها كانت تنتظر كلمة واحدة: “موافق”
وتصف شعورها مع كل نتيجة تؤكد إمكانية استمرارها في التبرع بقولها: “كلما مضى شوط من الفحوصات الطبية وطلعت نتيجته موافق، أبتهج بذلك كطفل أهديت له قطعة حلوى”.
لم تكن تخشى أن تثبت الفحوصات قدرتها على التبرع؛ بل كانت تخشى العكس.
ومضت أيام طويلة قبل أن يأتي أخيرا الموعد المنتظر، وتحدد يوم العملية.
ذهبت حنان برفقة وجدان إلى مستشفى .. لإجراء عملية الزراعة، وحتى تلك اللحظة، بقيت والدتهما بعيدة عن الحقيقة.
أخبرتها حنان بأنها ستُنوّم في المستشفى مع وجدان، وعللت ذلك بانخفاض مستوى الهيموجلوبين لديها.
كان ذلك آخر ما عرفته الأم قبل أن تدخل ابنتاها المستشفى، إحداهما لتمنح، والأخرى لتستقبل منها جزءا سيعيد إليها حياتها.
أُجريت العملية.. وحين فتحت حنان عينيها في غرفة الإفاقة، كانت وجدان إلى جوارها، وما تزال تحت تأثير المخدر.
اقترب منها الطبيب ليطمئنها “الحمد لله رب العالمين، أتدرين يا حنان؟ هذه العملية من أنجح العمليات التي دخلتُها، تمت بمنتهى اليسر، وأنتِ بصحة جيدة”.
حمدت حنان ربها كثيرا، لكن أول سؤال خرج منها لم يكن عنها.
قالت للطبيب “الأهم أن تكون أختي بصحة جيدة”، فأومأ برأسه مطمئنا “لا تخافي.. أختك بخير”.
كانت تلك الكلمات هي الإجابة التي تنتظرها حنان.
وبقيت المواجهة الأصعب
بعد أيام، خرجت الأختان من المستشفى، وبدأ خبر العملية ينتشر بين الأقارب والأصدقاء.
هنا ظهر خوف جديد لدى الإخوة، وهو أن يصل الخبر إلى الأم من شخص آخر.
اقترح حسين أن تذهب حنان ووجدان إليها بنفسيهما، وأن تخبراها بالحقيقة وهما أمام عينيها؛ حتى ترى أن ابنتيها بخير قبل أن يستبد بها الخوف، وهذا ماحدث، ذهبتا إلى بيتها مع أخواتهما، وهناك، قالت إحدى البنات مخاطبة والدتها “الحمد لله على سلامة بناتك”.
رفعت الأم رأسها ونظرت إلى ابنتها مستغربة “الله يسلمك.. أي بنات؟”.
هنا تكلمت وجدان “أماه.. أنا زرعت كلية وصرت زينة”، فوجئت الأم، وبدأت الأسئلة تتلاحق قبل أن تستوعب إجاباتها: زرعتِ كلية؟ لماذا؟ والكلية من أين؟
كانت، كما تصف حنان تلك اللحظة، في سباق بين الأسئلة التي تنطق بها وبين سيل الأفكار والاستنتاجات التي تتدافع في رأسها، وكان على حنان أن تقول الجزء الأصعب من الحكاية.
كانت لا تزال تتألم من آثار العملية، لكنها ضغطت على نفسها ونهضت، أرادت أن تراها أمها واقفة أمامها، وأن تعرف، قبل أي شيء، أنها بخير.
قالت “أمي.. أنا من تبرع لوجدان”.
قاطعتها الأم على عجل “لماذا فعلتِ؟ لماذا لم تخبروني؟ لعلنا نستطيع أن نشتري كلية من أحد، لماذا تعرضين نفسك للخطر؟، ماذا لو جرى لكما شيء”.
لم تستغرب حنان كلماتها، كانت تعرف أنها لا تسمع اعتراضا بقدر ما تسمع خوف أم اكتشفت، في دقائق قليلة، مرض ابنة وجراحة ابنة أخرى، بعدما أخفتا عنها كل شيء لحمايتها.
أجابتها حنان “هذه أختي، وأنا أولى من أي أحد لأعطيها قطعة مني، وها أنا بخير، وهي أيضا”.
عندها انهارت الأم بالبكاء، وكأنها وصلت للحظة أمان تستطيع فيها أن تعبر عن مشاعرها، حاولت حنان وأخواتها تهدئتها، لكن دموعها لم تتوقف.
اتصلت حنان بإخوتها وأخبرتهم بما يحدث، فجاؤوا إلى المنزل، احتضنوا أمهم وحاولوا التخفيف عنها، فيما كانت مشاعر كثيرة قد اجتمعت عليها دفعة واحدة؛ الخوف على ابنتيها، وألم ما عاشته وجدان بعيدا عنها، وقلقها على حنان، وعتب أم عرفت أخيرا أن أبناءها جميعا حملوا عنها سرا ثقيلا طوال تلك المدة.
هدأت الأم أخيرا، بعدما رأت ابنتيها أمامها واحدة استعادت صحتها بكلية أختها، والأخرى تقف رغم ألم الجراحة لتقول لها إنها بخير.

ومضت الأيام
أما حنان، التي قالت يوما لأختها “لو تحتاجي قلبي أعطيك إياه”، فلم تكن ترى في قرارها بطولة استثنائية بقدر ما كانت ترى أختاً تفعل ما تستطيع من أجل أختها.
لكن ما فعلته حنان دهيم لم يبقَ مجرد حكاية تتناقلها العائلة.
أمس، جاءها التكريم بوسام الملك عبدالعزيز تقديرا لتبرعها بإحدى كليتيها لأختها.
وسامٌ جاء بعد أن انتهت غرف العمليات، والفحوصات الطويلة، ورسائل الخوف، والسر الذي أخفاه الأبناء عن أمهم؛ لكنه أعاد إلى الواجهة أول كلمات كتبتها حنان حين عرفت أن أختها تحتاج إلى كلية.
لم تقل لها يومها إنها ستبحث عن حل، قالت ببساطة: “أنا أتبرع لك بكليتي”.
ومن تلك الرسالة، بدأت رحلة أختين؛ واحدة كانت تبحث عن فرصة جديدة للحياة، وأخرى لم تتردد في أن تمنحها قطعة منها.



