أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خارطة الصيد وذاكرة “الدّغاي” وچلاب السيف

صُبرةالأحد 16 أغسطس 2026، 3:30 م
خارطة الصيد وذاكرة “الدّغاي” وچلاب السيف

حسن دعبل

ربما نتذكر عبارة أهلنا حسرةً: الدّغاي، الدّغاي…ضاع صيدنا ورزقنا.

والدغاي لمن تستوحشة الكلمة، ليست عابرة، أو هجينة طارئة؛ هي لنجات بحرية، لبحارة إحدى قرى الساحل،. وباستهجان التصغير وقصر اليد من البعيد يسمونهم: چلاب السّيف.

والاستهجان استئثار للعاجز الذي يشعر من البعيد لهلاك هيراته وقراقيره بأسماكها، وضياع رزقه اليومي.

الوصف لا يحتمل أكثر من عصفٍ زماني بعُدَ أهله، وبمهنٍ استوطنت أسيافها منذ أقاموا وتكحلت أعينهم بالمكان. وصفٌ ربما استعاد تلك الوقفات لبحارةٍ شخُصت أبصارهم لتلك اللّنجات مُبحرة، وهم يرمون شبَكاتهم بلا مبالاة بغية صيد وفير ، لكل سمكة سارت في مجرى الماء، أو نامت في الأزياي، وبين حشائشه وأعشابه البحرية، أو دلّخت المَنادي والأطيان؛ وحتى الحصاة المثلومة بنوّها الحاد، لا تسلم منها شِباكهم المجرورة بصرخة بحارة الدغاي ودويها المسموعة في الأسياف. فهم يُبحرون من خور “أبو مغوي” مروراً بخور مَلك، مسانين بمياديفهم، أو خاطفين بأشرعتهم، مُعلّين بمحاذاة الهيرات القريبة من شرقي دارين، مروراً بالبِدع ودويبل، والحظرات، على شرقي سطوة السنابس الغنية بأسماكها البيضاء، بمحاذاة هيرات الصافي المعروفة ، غير مبالين ولا مذنبين، وهم يرون بعيونٍ حادة وصافية تلك القراقير تتكسر وتهرب أسماكها برزق بيوتٍ ستنام ليلها وتستعجل يقظتها بعطش الفاقة.

اللّنجات لها مواعيدها في البحر، إن مرّت لا تُبِْقي وَلا تَذرُ. تواصل المُساناة، فمرات خاطفة بأشرعةٍ، وكأنها اعتادت دورتها لتكملها بغربي هيرات راس تنورة، ومحاذاة بندر الزور ، مُتيامنة صوب هيرات أم رحيم ، حتى هير السِّعيفة الغربي؛ لِتخاير مُدبّرة بنفس المسير بلا ديرة وسكان، وكأن الماية رسمت خط سيرها على الماء إلى بندرها طارحةً، وطاويةً شبكاتها محمولة ومحمّلة بالأسماك الوفيرة، الصغيرة والكبيرة، وحشائش البحر وحصاته، وقراقيره ، وما علق بها من أسرار، مالم تره العين في الأسياف.

الصورة وهي تُستعاد بذاكرة بحرية، بها من الغبش والخذلان من التذكر، وجزع الأيام تلك وفقرها.

في تلك الأيام لم تكن عبارة الصيد الجائر قد استوطنت بعد أو لَفت. فقد كانت الأسماك من كثرتها، تُنسي بحارتها سطوة الدغاي وخشبهم بعد رحيلهم، وغياب خطفة أشرعتهم من شرفة الهيرات.

الأسماك بكثرتها تتمايل في أول رشة لماية الصبح أو العصر ومسيانه الدابر.

تغيب الصورة وتحضر أصوات ماكينات طرادات الصيد الجائر وهي تساني بمحاذاة هيرات ممنوعة يوماً على البحارة، لتطرح في الأسواق أسماك الصافي الصغيرة الحجم، التي لم يكتمل نموها ويطيب بها الأكل، مفروشة بغصة السؤال وهو يتكرر بالشكوى: حرام صيد السحل!

الخبر الذي ازدان بخارطة صيد جديدة تُحدّد أماكنها باحداثيات لا تُكذب أمكنتها، حتى وإن غابت مُسميات الهيرات المعروفة، وبيّنت بتلك الأرقام ، لكن القرار عُنون مبشراً:

دعماً للصيادين السعوديين، وتعزيزاً لاستدامة قطاع الصيد.

القرار أيضاً شجع صيادين هجروا مهنهم ولا ذوا بالزبنة في البيوت، وتذكار هيرات صيدهم؛ سيأخذهم الحنين برزقهم، وهم يراقبون ويبارون هيراتهم تلك، وهي تستعيد فُشوتها وأزيايها، وربما تُستعاد مهنٍ أيضاً لاذت بالنسيان، لتكسب رزقها حلالاً من غير وجوهٍ غريبة، لا تعرف من الهيرات غير الصيد بكثرته، بلا مبالاة. ربما الحنين يستفيض بذاكرة الأسلاف ووصاياهم:

البحر يُهبّ لتتجدّد قيعانه وهيراته، وتنعم أسماكه بالكثرة.