طعام البشر يدخل معادلة التكاثر «أنيمالز» تفتح ملف البابون في المملكة: مَن يغذّي فورة الولادات؟

متابعات: صُبرة
حين تشتد الحرارة شرق جبال السروات، تبدأ فورة تكاثر إناث البابون، وبعد نحو 6 أشهر، يحل الشتاء حاملاً معه ارتفاعاً في المواليد. لكن على الجانب الغربي من الجبال لا تسير الأمور بالتوقيت نفسه؛ فالمطر والغذاء الطبيعي، وحتى الطعام الذي يقدمه البشر، تدخل جميعها في تحديد إيقاع التكاثر.
هذه الخلاصة خرج بها بحث علمي تناول فورات التكاثر والولادات لدى قرود البابون في المملكة، وقارن بين مجموعتين تعيشان في بيئتين مختلفتين غرب جبال السروات وشرقها، بعد 1440 ساعة من المراقبة، بواقع 720 ساعة لكل مجموعة.
ونُشر البحث في مجلة Animals العلمية المحكّمة والمصنفة ضمن الربع الأول Q1، والصادرة من سويسرا.
الحر يطلق الفورة
وكشفت المقارنة عن نمط أكثر وضوحاً في المناطق الحارة والجافة شرق جبال السروات؛ إذ ارتفع النشاط التكاثري للإناث مع اشتداد درجات الحرارة، لتأتي الولادات بعد فترة حمل تستمر نحو 6 أشهر.
وبذلك تفصل الطبيعة زمنياً بين فورة التكاثر وفورة الولادات: تزاوج في الأشهر الحارة، وارتفاع في المواليد خلال الشتاء.
أما غرب جبال السروات، فلم يظهر النمط الموسمي بالوضوح نفسه، وتذبذبت فورات التكاثر والولادات تبعاً لمجموعة من المتغيرات البيئية والغذائية.

المطر والطعام
وأظهرت النتائج أن درجات الحرارة ومعدلات الأمطار ووفرة الغذاء الطبيعي تؤدي أدواراً مهمة في النشاط التكاثري للبابون.
لكن العامل اللافت في الدراسة هو دخول الإنسان نفسه في المعادلة.
فالطعام الذي يصل إلى القرود من البشر، سواء بتقديمه إليها مباشرة أو بصورة غير مباشرة، يمثل مورداً إضافياً يدخل ضمن العوامل المرتبطة بتغيرات النشاط التكاثري.
وهذا يعني أن مشكلة إطعام البابون لا تتوقف عند تجمع القرود حول الطرق والمناطق المأهولة بحثاً عن الطعام؛ إذ تدخل وفرة الموارد الغذائية ضمن منظومة العوامل المؤثرة في دورة حياتها وتكاثرها.
بابون انتهازي
وأظهرت النتائج مرونة عالية في تكاثر البابون وقدرته على الاستفادة من تغير الظروف المحيطة به، بدلاً من الارتباط بموسم تكاثر واحد وثابت في البيئات المختلفة.
فحين تتغير الحرارة أو الأمطار أو وفرة الغذاء، يتغير معها النشاط التكاثري.
وتعني هذه «الانتهازية التكاثرية» أن البابون يستطيع الاستجابة للموارد المتاحة في بيئته، وهو ما يساعد على تفسير قدرته على الاستمرار في بيئات متباينة، خصوصاً عندما تضاف الموارد الغذائية البشرية إلى ما توفره الطبيعة.
1440 ساعة
واعتمد البحث على مجموعتين تمثلان بيئتين مختلفتين على جانبي جبال السروات، بواقع 720 ساعة مراقبة لكل مجموعة، ليصل إجمالي المراقبة الميدانية إلى 1440 ساعة.
وتابع الباحثون النشاط التكاثري والولادات، وقارنوا تغيراتهما بالعوامل البيئية والغذائية في كل موقع، بحثاً عن المتغيرات المرتبطة بارتفاع النشاط التكاثري أو انخفاضه خلال أشهر السنة.
وأتاحت المقارنة رصد الفارق بين مجموعة تعيش في منطقة حارة وجافة شرق السروات، وأخرى تعيش في ظروف مختلفة غربها.

لماذا يهمنا تكاثرها؟
ولا تتوقف أهمية النتائج عند تفسير سلوك البابون؛ إذ توفر أساساً علمياً يمكن الاستفادة منه في إدارة تنامي أعداده والمشكلات الناتجة عن وجوده بالقرب من التجمعات البشرية.
فمعرفة الظروف والفترات المرتبطة بفورات التكاثر والولادات تساعد الجهات المختصة في توجيه إجراءاتها، والتعامل مع أحد المتغيرات التي يستطيع الإنسان التحكم فيها فعلياً: الغذاء البشري.
ومن هنا تبرز أهمية الحد من إطعام البابون، ليس بوصفه إجراءً لمنع تجمع القرود في المواقع المأهولة فحسب، وإنما جزءاً من حزمة متكاملة للحد من الموارد البشرية المتاحة لها.
وتشمل الجهود التوعية بعدم إطعام القرود، والتشريعات، والتنسيق مع الأمانات للحد من مصادر التغذية البشرية المباشرة وغير المباشرة، ضمن حزمة الحلول التي يطبقها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية للسيطرة على المشكلة، وصولاً إلى مرحلة الاستدامة.
ما نستطيع تغييره
وتضع نتائج البحث أمام إدارة مشكلة البابون معادلة عملية؛ فدرجة الحرارة والأمطار والظروف الطبيعية ليست عوامل يستطيع الإنسان التحكم فيها، لكن جزءاً من الغذاء المتاح للقرود مصدره الإنسان.
ومن ثم، فإن قطع الطريق بين البابون والطعام البشري يمثل أحد المتغيرات التي يمكن التدخل فيها ضمن استراتيجية السيطرة على تنامي الأعداد والمشكلات المرتبطة بها.
فالإنسان لا يستطيع إيقاف المطر أو خفض حرارة الصيف، لكنه يستطيع أن يتوقف عن إطعام البابون

شارك في إعداد البحث 4 باحثين:
أحمد البوق (Ahmed Boug)
المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية – المملكة العربية السعودية.

زفار رايس مير (Zaffar Rais Mir)
المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية – المملكة العربية السعودية.

توشيتاكا إيواموتو (Toshitaka Iwamoto)
جامعة ميازاكي – اليابان.

مينغجينغ وي (Mengjing Wei)
المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية – المملكة العربية السعودية.

البحث: Environmental Drivers of Reproductive Peaks in Hamadryas Baboons Across Contrasting Habitats in Saudi Arabia.
المجلة: Animals – مجلة علمية محكّمة، مصنفة ضمن الربع الأول (Q1).



