الأحد 1 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

عين النخيل في ذاكرة الرمال

صُبرةالأحد 1 نوفمبر 2026، 12:52 م
عين النخيل في ذاكرة الرمال

القطيف: صُبرة

في حضن النخيل؛ نشأ شاكر الورش، حيث الظلال مألوفة، والخضرة جزء من المشهد اليومي، والماء يمنح الأرض ملامحها. هناك تشكّلت ذاكرته الأولى، وتعلّمت عيناه قراءة الضوء وهو يتسلل بين السعف، ويستريح على جذوع الأشجار، ويتكسر فوق الأرض المبتلة.

لكن عين المصور التي ألفت هذا العالم، وجدت في الصحراء طبيعة أخرى؛ طبيعة تتخفف من الخضرة، وتستبدل ظلال النخيل بظلال الكثبان، وتترك للرياح مهمة رسم التضاريس.

في الربع الخالي، وجد ابن القديح نفسه أمام عالم مختلف تماماً عما عرفه في طفولته. هنا تمتد الرمال إلى آخر ما تراه العين، وتصبح الشجرة حدثاً يستحق التوقف، والزهرة الصغيرة مفاجأة، والماء حكاية تستدعي التأمل.

ولم يكن هذا الاختلاف سبباً للوحشة، بل باباً للدهشة. فالصحراء التي تبدو من بعيد مساحة من الرمل المتشابه، كشفت له عن ألوان وتفاصيل وأشكال حياة تستحق أن تُرى وتُحفظ.

ومن هذه التجربة خرج كتابه المصوّر «ذاكرة الرمال»، الذي حمل إليه مشاهدات رحلتين في الربع الخالي، وحمل منه إلى القارئ شيئاً من جمال الصحراء وأسرارها.

77 صفحة من الدهشة

في 77 صفحة، جمع الورش عشرات اللقطات الفوتوغرافية الملونة، التقط معظمها خلال رحلات التخييم والاستكشاف في ديسمبر 2024 وديسمبر 2025، وأصدرها في كتاب إلكتروني عام 2026، بعنوان فرعي «مشاهدات في صحراء الربع الخالي».

وتتنقل صفحات الكتاب بين المشاهد الواسعة والتفاصيل الصغيرة. كثبان عالية تتعاقب حتى الأفق، ومنحدرات رملية تنساب في الضوء، وسبخات ملحية تستقر بين التلال، ونباتات قليلة تشق طريقها في الأرض الجافة.

في بعض الصور، تبدو الرمال كأمواج بحر توقفت فجأة، وفي أخرى تظهر كأنها أقمشة ذهبية طوتها الرياح بعناية. تتدرج الألوان بين الأحمر والبرتقالي والأصفر، وتطول الظلال على المنحدرات، فتمنح الكثبان ملامح مختلفة مع تغير ساعات النهار.

وتلفت النظر صور السبخات، حيث تنبسط الأرض البيضاء وسط الرمال الملونة، في مشاهد توحي ببحيرات قديمة رحلت مياهها، وبقيت آثارها شاهدة على ما كان هنا ذات زمن.

أما الكثبان الوعرة في مناطق الكدن وعروق الشيبة والعروق المعيترضة، فتظهر في لقطاته متشابكة ومتداخلة، كأن الصحراء تبني جبالها الخاصة، ثم تعيد تشكيلها كلما هبت الرياح.

زهرة تستوقف العدسة

وسط هذا الامتداد الهائل، تتوقف عدسة الورش عند أشياء صغيرة قد يعبرها المسافر دون انتباه.

زهرة صفراء تنفتح على أرض جافة، وشجرة أرطى تنمو في مكان يبدو بعيداً عن أسباب الحياة، ونباتات صحراوية خضراء تتوزع على الرمال، وسحلية وجدت في هذه البيئة القاسية موطناً لها.

يمنح المصور هذه الكائنات مساحة من كتابه، كأنه يريد أن يعرّف القارئ بسكان الصحراء الصغار، الذين يعيشون بعيداً عن أعين الناس.

ويخصص صفحات لنباتات القسور والزيجوفيليوم والأرطى، وللسحلية ضفدعية الرأس، إلى جانب مشاهد المياه الكبريتية والسبخات الملحية، وألوان الرمال المختلفة.

وللسماء حضورها أيضاً؛ غروب يلوّن حواف الكثبان، وقمر مكتمل يطل على السكون، وسحب تمر فوق الرمال فتمنح المشهد شيئاً من الألفة.

هذه الصور تجعل الربع الخالي أقرب إلى القارئ. فخلف اسمه الموحش، ثمة نباتات تنمو، وكائنات تتحرك، وألوان تتبدل، وحياة تعرف كيف تتكيف مع قسوة المكان.

كاميرا صغيرة وحلم يكبر

ولد شاكر عبدالله أحمد الورش عام 1967 في بلدة القديح بمحافظة القطيف، وعاش طفولته في بيئة زراعية كانت النخلة فيها جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

وفي عام 1980، وهو طالب في المرحلة المتوسطة، اقتنى كاميرا «كوداك» فيلمية بسيطة. كانت تلك بداية علاقته بالتصوير؛ علاقة بدأت بفضول فتى يريد الاحتفاظ بما تراه عيناه، ثم تحولت مع السنوات إلى شغف رافقه في حياته وعمله ورحلاته.

درس إدارة الأعمال في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والتحق بشركة أرامكو السعودية، حيث أمضى سنوات عمله حتى التقاعد. وخلال تلك السنوات ظل التصوير حاضراً في حياته، قبل أن تتخذ تجربته مساراً احترافياً عام 2007.

وكان من مؤسسي جماعة «وميض» الضوئية في القديح، وترأسها بين عامي 2016 و2019، وهو عضو في جماعة «ألق» الفوتوغرافية.

وحصل على ألقاب دولية من الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي «الفياب» عام 2022، ووسام شرف من جمعية التصوير العراقية عام 2018، كما فاز بالمركز الثاني في مسابقة مركز قطر للتصوير، ضمن محور «اقرأ»، بالتزامن مع معرض الدوحة الدولي للكتاب عام 2025.

ومع التقاعد، اتسعت المساحة التي يمنحها لهوايته، وأصبحت الرحلات فرصة لقضاء أيام مع الطبيعة، بعيداً عن إيقاع الحياة المعتاد.

ما وراء الصورة

في مقدمة كتابه، يشرح الورش سبب انجذابه إلى الربع الخالي. فهو يرى أن هذه الصحراء، على قسوتها الظاهرة، تحتفظ بذاكرة طبيعية وحضارية عميقة، وأن رمالها تخفي كثيراً مما يستحق المعرفة.

ولهذا لم يكتفِ بعرض الصور، بل أضاف إليها معلومات عن تكوين الكثبان وألوان الرمال والسبخات والنباتات والمياه الكبريتية، واستعان بمراجع علمية وجغرافية لتقديم صورة أوسع عن المكان.

ويتحدث أيضاً عن متعة الرحلات الصحراوية؛ عن الرفقة، والتعاون في نصب الخيام وإعداد الطعام، والاعتماد على النفس، والابتعاد عن الهواتف وشبكات التواصل، وعن الليل حين تخفت الأصوات وتظهر النجوم في سماء صافية.

وفي هذه التفاصيل يظهر جانب إنساني من تجربته. فالتصوير بالنسبة إليه يتجاوز لحظة الضغط على زر الكاميرا؛ إنه رحلة كاملة، فيها تعب الطريق، ومفاجآت المكان، وانتظار الضوء المناسب، ومتعة اكتشاف ما كان خافياً عن العين.

عين تحفظ ما تراه

بين صور النخيل التي عرفها في طفولته، وصور الرمال التي جمعها في كتابه، تبدو تجربة شاكر الورش حكاية رجل ظل محتفظاً بفضوله الأول أمام الطبيعة.

لقد نشأ في مكان تمنح فيه الأشجار ظلها للناس، ثم وجد في الصحراء أشجاراً قليلة تكافح لتبقى، وزهوراً صغيرة تحتفل بالمطر، ورمالاً تتغير ملامحها كل يوم.

ولعل أجمل ما في «ذاكرة الرمال» أن صاحبه يترك للقارئ فرصة أن يكتشف معه هذه التفاصيل؛ أن يتأمل كثيباً، أو يقترب من زهرة، أو يتساءل عن أرض بيضاء كانت المياه تسكنها.

هكذا تلتقي في الكتاب طبيعتان مختلفتان، وتجربتان في النظر إلى العالم؛ ذاكرة تشكلت بين النخيل، وعين وجدت في الرمال جمالاً آخر.

وفي النهاية، يعود شاكر الورش من الصحراء حاملاً صوراً لما رآه، تاركاً للرياح أن تواصل عملها القديم في رسم الرمال، ولعدسته فضل الاحتفاظ ببعض تلك الرسوم، قبل أن تتغير إلى الأبد.