أين ذهبت شامات الجدّة؟

محمد المخرق
……………….
تضع طاهرة آل سيف في عنوان نصها (سأكفُّ عن عدّ الشامات) قرارا لا يتضح معناه إلا في السطر الأخير. وما يستوقفني أن العد يتكرر قبل أن تعلن المتكلمة الكفّ عنه. تعدّ الابنة الشامات على جسد أمّها، ثم تستعيد الأمّ إيقاع العد وهي تتخيل جدتها توزع شاماتها واحدة بعد أخرى.وبين العدين يتغير السؤال الذي تثيره العلامة. فالطفلة تلمح فيها صورة لما قد تصير إليه، والحفيدة تتخيل ما يمكن أن يبقى من امرأة بعد رحيلها.
تستهل آل سيف نصها بعبارة تبدو تقريرية (تكبر الأمهات بخصلات المشيب). ثم تأتي (ربما) وتتكرر، فيتراجع اليقين الذي بدأت به الجملة. متى يبدأ كِبَر الأمّ؟ مع سهرها الأول على المولود، أم في الرضاعة، أم قبل ذلك، في أشهر الحمل؟ يعود النصّ من الطفل الذي صار بين يديها إلى الأشهر التي سبقت مجيئه، كأنّ ظهور الشيب يدفع المتكلمة إلى البحث عن بداية يصعب تثبيتها. وكلّ (ربما) تردّ الخُصلة إلى زمن أبعد، حتى يصبح تغيّر اللون أثرا لتحولات يعسر ردها إلى لحظة واحدة.
وحين تصف المتكلمة الشعر المتساقط وهو (يدور في موجات تبتلعها فتحات البانيو)، تمنح الفقد حركة تراها العين. فالشعر الذي كان وفيرا حول الوجنتين يدور أمامنا لحظة قبل أن يختفي. وفي تلك المهلة القصيرة ثقلُ الصورة. ثم تنعطف الكتابة إلى الشامات، فيجاور ما يغادر الجسدَ ما يزداد ظهورا عليه. وسيعود هذا التقابل عند المغتسل، حين يصبح غياب العلامة باعثا على تخيّل بقائها.
وعند قول المتكلمة (لا أراقب خصلات شعري)، ينتقل النظر من (الأمهات) إلى جسد امرأة لها تاريخها الخاص. هنا أتوقف عند الشامة الأولى. كانت معها منذ الولادة، ثم اشتدّ لونها وظهرت إلى جوارها شامات أخرى. وسبقُها للأمومة يضبط وجهة القراءة. فالشامة قديمة، والمعنى الذي تمنحه إيّاها المتكلّمة يتشكل وهي تستعيد خبرتها وتنظر في أجساد النساء من حولها. ومن الفارق بين زمن ظهور العلامة وزمن تأويلها يتّسع المجال لتخيل ميراث يتجاوز تشابه الملامح.
(تعدّ ابنتي الشامات على جسمي). بهذه الجملة تدخل إلى النص عين ثانية. تنظر الطفلة إلى جسد أمّها ثم تسأل (هل سأصبح مثلك يا أمي؟). يحتفظ السؤال ببساطته، وتمنح كلمة (أصبح) ما تراه الطفلة زمنا آخر. فالعلامات التي تحصيها الآن على جسد أمها قد تراها ذات يوم على جسدها. وفيما تتطلع الابنة إلى الأمام، ترتد ذاكرة الأمّ إلى الجدة. هكذا تتلقّى المتكلمة السؤال بأنها أما، وتعود منه حفيدة. وبين الموقعين يجاور سؤالَ الطفلة عمّا قد يصير إليه جسدها سؤالٌ عمّا يبقى من جسدٍ عرفته المتكلّمة وأحبّته.
(أتذكّر أن جدّتي ماتت مرقّطة). تدخل الكلمة التي مرّت خفيفة على لسان الطفلة في جوار الموت، ثم تأتي صورة المغتسل (لكنني رأيتُ وجهها صافيا على المغتسل). وبين هيئة الجدّة في الذاكرة وصفاء وجهها في لحظة الوداع تنشأ فسحةٌ للمخيّلة، ومنها تأتي عبارة (ربما وزّعت جدّتي شاماتها). هنا أجد أدقّ تحوّل في النصّ. كانت (ربما) في المطلع تفتح لتجربة الأمّ أكثر من بداية، وها هي عند المغتسل تفتح لأثر الجدّة أكثر من مصير.
يذكّرني هذا الانتقال بقصيدة (Combing) (تمشيط الشعر) لغلاديس كاردِف. تمشّط المتكلّمة شعر ابنتها فتستعيد إحساسها بيدي أمّها وهما تشدّان ضفائرها، ثم تمتدّ الذاكرة إلى نساء سبقنها، حتى تنتهي القصيدة بصورة (تضفير الأجيال). عند كاردِف تستعيد اليدُ أثرَ يدٍ أخرى وهي تكرّر حركتها. وعند آل سيف تستدعي الحفيدة فعلَ الجدّة حين تغيب عن وجهها العلامة المألوفة. يُدرَك الميراث في الأولى بحركة تتكرّر، ويُتخيَّل في الثانية من غيابٍ يدفع الحفيدة إلى أن تسأل، في سرّها، أين مضى ما كانت تراه.
وفي اختيار فعل (وزّعت) تستعيد الجدّة، في مخيّلة حفيدتها، قدرتها على العطاء بعد أن سكن جسدها. وتتّجه الشامات إلى مواضع متباينة من حياة النساء، من اكتئاب النفاس إلى ليالي تحسّس نَفَس الأطفال، ومن تعب الرعاية إلى ما تطلبه المرأة لأنوثتها. وأقرب هذه العطايا إلى الحسّ، في قراءتي، تلك التي تُمنح لليالي تحسّس النَّفَس. ففي حركة صغيرة، تكاد تقع في العتمة، تجتمع الرعاية والخشية، ويأخذ السهر معناه من جسدٍ يتحسّس وجسدٍ يتنفّس. وإلى جوار هذه الصورة تحضر الرغبة والفتور. فللمرأة التي تصغي إلى نَفَس طفلها حياتها مع جسدها أيضا، وفي ميراث الجدّة متّسعٌ لما تبذله لغيرها ولما تختبره في نفسها.
وأجد النصّ أشدّ إقناعا حين تنشأ الدلالة من تفصيل كهذا. فالشعر يدور قبل أن يختفي، واليد تتحسّس نَفَس الطفل، ووجه الجدّة يفاجئ الحفيدة بصفائه. وفي عبارتي (تعبئة الفتنة) و(رقّة الشعور وانفصاله عن الجسد اللدن)، تميل اللغة إلى التجريد، فتصبح تجربة هذه المرأة أقل تعيّنا ممّا هي عليه في مشهد تحسّس نَفَس الطفل أو في صورة وجه الجدّة على المغتسل. ويظهر ذلك أيضا حين يسند النصّ إلى الأربعين والخمسين سماتٍ محدّدة، فتقترب الأعمار من أن تصير مراحل عامّة للأنوثة. وكنت أودّ لو أخذ هذان العمران معناهما من تفصيل يخصّ المتكلّمة، على نحو ما أخذ الوداع معناه من وجه هذه الجدّة في لحظة بعينها.
وحين تتكرّر (واحدة)، أسمع إيقاع العدّ الذي بدأته الطفلة، وقد تبدّل السؤال. كانت الابنة تريد أن تعرف إن كانت ستصير مثل أمّها، فيما تحاول الحفيدة أن تفهم كيف يمكن للجدّة أن تبقى في حياة نساء يعشن من بعدها. وكلّ وقفة عند (واحدة) تُمهل القارئ ليرى تجربة كان يمكن أن تمرّ في العبارة سريعا. هكذا تنجز اللغة فعل التوزيع الذي تخيّلته الحفيدة، وتعطي السهر والخوف والرغبة نصيبها من الحكاية.
عندئذٍ يعود قرار العنوان في الجملة الأخيرة (اليوم سأكفّ عن عدّ الشامات). وتمنحه كلمة (اليوم) لحظته بعدما ظل معلّقا منذ المطلع. لقد بدأت المتكلّمة تقرأ الشامات وهي تعدّها من جديد، وحين كفّت عن العدّ كانت كلّ واحدة قد اتّصلت بحكاية. ولعلّ أبعد ما يبلغه النصّ أنّ صورته عن الميراث تولد عند المغتسل، من وجهٍ صاف كانت الحفيدة تعرفه مرقّطا. ففي اللحظة التي افتقدت فيها العلامة على وجه الجدّة، استطاعت أن تتخيّل لها حياة في أجسادٍ أخرى.

القصيدة ..
(سأكفُّ عن عدّ الشامات)
تكبر الأمهات بخصلات المشيب..
ربما..
منذ السهر الأول مع المولود الأول
ربما ..
بعد حرارة العِرق الرقيق في أثدائهن
وانحناء ظهورهن لساعات الرضاعة..
ربما ..
بعد تسعة أشهر من الحمل
كان الشعر فيها وفيراً حول الوجنتين..
ربما .. بعد أن راقبنه يتساقط ..
و يدور في موجات تبتلعها فتحات البانيو..
لا أراقب خصلات شعري
وُلدتُ بشامة باهتة فوق شفتي
غلظ لونها كلما مرت السنين..
وظهر غيرها
تعد ابنتي الشامات على جسمي
تسألني هل ستصبحين مُرقطة قريباً!
هل سأصبح مثلك يا أمي؟
أتذكر أن جدتي ماتت مُرقطة ..
لكنني رأيتُ وجهها صافياً على المغتسل
ربما وزعت جدتي شاماتها ..
واحدة للشعرات الصغيرة التي نمت على جانب الصدغين
تزامناً مع نمو شعر الرضيع في شهره السادس
واحدة لدرء اكتئاب النفاس..
واحدة لليالي المنصرفة في تحسس
نَفَس الأطفال أثناء النوم ..
واحدة لتعبئة الفتنة في سنوات الفتور
بعد الحب..
واحدة لإرضاء الأنوثة المُلتهبة
في عمر الأربعين..
واحدة لرقة الشعور وانفصاله عن الجسد اللدن
في عمر الخمسين..
كلهن ..وزعتهن جدتي ..
واحدة واحدة وزعتهن ..
لرحمٍ يتسع
لفرح الأمهات الصغيرات..
اليوم .. سأكفُ عن عدِّ الشامات ..



