الماضي الذي افترق


أقسى ما يفعله انطفاء المحبة أنه يترك ملامحها سليمة. الوجه الذي ألفناه، والصوت الذي اهتدينا به إلى صاحبه، والتفاصيل الصغيرة التي اتخذناها دليلًا على قربه؛ تظل جميعها حاضرة، فيما تفقد قدرتها على الوصول إلينا. نصغي إلى جواب عادي، في موضع انتظرنا فيه عناية تخصنا، ونشعر للمرة الأولى بغرابة صوت نحفظه. يصعب تصديق هذا الغياب؛ صاحبه أمامنا، وما نفتقده منه لا نعرف كيف نشير إليه.
يبدأ اختلال الزمن من هنا. أحدنا يعيش أيامه بعد المحبة، والآخر يواصلها من داخلها. يجلسان إلى مائدة واحدة، ويتبادلان حديثًا تستطيع الأذن أن تحسبه امتدادًا لأحاديث سابقة. يستريح أحدهما إلى انتهاء اللقاء، ويحمل الآخر جملة منه إلى ليله، يقلّبها باحثًا عما يعيد إليه الاطمئنان. تمر الأيام بينهما، ويزداد تفاوت معناها؛ ما يراه أحدهما بقايا علاقة، يتلقاه الآخر دليلًا على بقائها.
للذاكرة يد في تأخير هذا الإدراك. تضع أمام البرود حنانًا قديمًا، وتستدعي من الصوت نبرة غابت عنه، وتمنح الصمت أعذارًا تستمدها من معرفتها بصاحبه. يصير الماضي أقدر على إقناعنا من الحاضر؛ فقد أودعنا فيه صورتنا عن أنفسنا أيضًا، وألفنا ما أيقظته المحبة فينا، وما جعلتنا نصدّقه عن استحقاقنا لها. الاعتراف بتغيّر الآخر يقتضي مراجعة موضعنا في عينيه، وربما لهذا نتشبث بما نعرفه عنه، طويلًا بعدما تتوقف معرفتنا عن الوصول إليه.
نفتش عندئذ عن خطأ يصلح سببًا. نستعيد كلمة قيلت في تعب، ولقاء أفسده انشغال، وعتابًا أثقل مساءً عابرًا. نمنح هذه التفاصيل قوة لم تكن لها يوم حدوثها، ونقبل أحيانًا ذنبًا لم نرتكبه. ثمة عزاء خفي في أن نكون المسؤولين عن الخراب؛ المسؤولية تترك بابًا للإصلاح، وتمنح الاعتذار جدوى، وتجعل الانتظار عملًا له غاية. أما التسليم بأن قلبًا تغيّر خارج قدرتنا، فيتركنا أمام خسارة لا نعرف ما الذي نفعله كي تتراجع.
يبلغ الوجع أشده عندما نعود إلى الأيام السعيدة حاملين معرفة النهاية. نقرأ الرسائل، ونتوقف عند كلمات اختلف وقعها، ونسأل الحنان القديم عن صدقه. نريد من الماضي جوابًا عن أمر حدث بعده، فنحمّله ما لا يستطيع حمله. يشق علينا قبول سعادة صادقة انتهت؛ الصدق، في رجائنا، ضمان للبقاء. وربما احتجنا إلى تكذيب الفرح كي نستوعب زواله، مع أن ذلك يسلبنا ما تبقى لنا منه. كيف نحفظ حقيقة لحظة، دون أن نطالبها بالوفاء لعمر كامل؟
تزداد الخسارة بما سبقنا إليه الخيال. من عناية صغيرة شيدنا أيامًا، ومن وعد رسمنا بيتًا تتغير فيه أعمارنا ويبقى صاحبه. اعتدنا مستقبلًا لم نعشه، وأدخلناه في حساب حياتنا، وصارت له تفاصيل نستأنس بها في وحدتنا. لذلك يحمل الرحيل وجعًا يصعب شرحه: نودّع ذكريات، ونودّع معها احتمالات اكتسبت في النفس ألفة الذكرى. يختفي شخص، فيخلو من حضوره زمن طويل لم يأت بعد.
لهذا تكتسب المصارحة وزنها الأخلاقي. يعرف من ابتعد شيئًا يجهله من ينتظره، ومن هذه المعرفة تنشأ مسؤوليته. كل يوم يؤخر فيه الكلام يترك للآخر فرصة جديدة لاتهام نفسه، وبذل المزيد، وتأويل الفتور بما يحفظ له رجاءه. يصبح الصمت وسيلة لصون صورة صاحبه على حساب من وثق به. والاعتراف بانتهاء المحبة يقتضي احتمال الألم الذي سيظهر في وجه الآخر، والتخلي عن الرغبة في مغادرة الحكاية محبوبًا كما دخلها.
ربما بقي شيء من هذا الرحيل مستعصيًا على الفهم. وربما عدنا، بعد زمن، إلى رسالة قديمة وشعرنا بحرارة ما عرفناه، دون حاجة إلى إنكاره أو استعادته. نستطيع عندئذ أن نرى الماضي في حدوده؛ حدث لنا، وغيّرنا، وانتهى قبل أن تنتهي حياتنا. تبقى فيه أيام تستحق محبتنا، ويصبح في وسعنا أخيرًا أن نتركها هناك، ونمضي دون أن نجعل الوفاء لها إقامةً فيها.



