الأربعاء 14 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مناعة الوعي وحماية الفضاء العام

الدكتور عبد الله فيصل آل ربح · صحيفة الشرق الأوسطالأربعاء 14 أكتوبر 2026، 12:28 م
مناعة الوعي وحماية الفضاء العام

بعد تفكيك سيكولوجية الاستهلاك العاطفي وتشخيص معضلة التحليل الاستعراضي، يصبح الانتقال من مرحلة النقد والتشخيص إلى مرحلة البناء الاستراتيجي ضرورة حتمية لتأمين الفضاء العام. فالتحديات الكبرى التي تواجه المجتمعات المعاصرة لا تتطلب فقط كشف زيف الخطاب الشعبوي أو الرد على الفقاعات الإعلامية، بل تستدعي إرساء منظومة متكاملة لما يمكن اصطلاحه ب«المناعة المعرفية». وهي مناعة لا تتحقق بالصدفة ولا تُبنى بالشعارات العاطفية، بل تُستنبت عبر وعي مؤسسي وتعليمي يضع العقلانية في صدارة الأولويات الوطنية.

تبدأ عملية بناء هذه المناعة من تعزيز آليات إنتاج المعرفة وتداولها، وتطوير المناهج والمنصات الثقافية لمواكبة عصر تتسارع فيه تدفقات المعلومات المضللة، وتتعدد مصادر التأثير العابر للحدود. إن بناء عقل نقدي قادر على تفكيك الرسائل الموجهة، والتمييز بين البيانات الموثقة والسرديات المصنوعة، هو حجر الأساس في تحصين الناشئة والشباب ضد محاولات الاختطاف المعرفي. والمجتمع الذي يستثمر في مهارات التفكير النقدي والتحليل المنهجي هو وحده القادر على تحويل أفراده من مستهلكين سلبيين للمحتوى إلى حراس واعين لاستقرار وطنهم.

ولا يقل عن ذلك أهمية دور المؤسسات الوطنية والإعلام المسؤول في ترسيخ قواعد الدقة المعلوماتية. فالفضاء الرقمي المفتوح يعج اليوم بخوارزميات موجهة تهدف إلى تأجيج الاستقطاب وصناعة المعارك الإعلامية، ما يفرض على المؤسسات الرسمية والأكاديمية انتهاج استراتيجيات اتصال تتسم بالاستباقية والشفافية. وحين تبادر المؤسسات بتقديم المعلومة الدقيقة والمعالجة الموضوعية قبل أن تملأ الفراغ الإشاعات والتأويلات المتحيزة، فإنها تقطع الطريق على حروب الوعي وتجفف منابع التضليل من جذورها. إن الشفافية الواعية ليست تنازلاً عن هيبة القرار، بل هي الركيزة الأقوى لبناء الثقة العميقة بين الدولة ومجتمعها.

تتحمل النخبة الأكاديمية والبحثية المسؤولية الكبرى التي يُفترض أن تمثل صمام الأمان الفكري. فهذه النخبة مطالبة بالخروج من أبراجها العاجية والاشتباك المباشر مع القضايا العامة بلغة رصينة ومفهومة تسد الهوة بين البحث العلمي الدقيق والخطاب الجماهيري الواسع. وحين تغيب الأصوات الرصينة عن الساحة العامة، يُفسح المجال أمام الأصوات السطحية لملء الفراغ وتوجيه بوصلة الرأي العام نحو وجهات مضللة. من هنا، فإن حضور الباحث المتمكن في وسائل الإعلام والمنصات العامة ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو واجب وطني وأخلاقي لحماية الوعي الجمعي من الاستقطاب.

في المحصّلة، إن صلابة الدول ومنعة المجتمعات في العصر الرقمي لا تقاس فقط بحجم قدراتها المادية والعسكرية، بل بدرجة مناعة وعيها العام ضد التلاعب الفكري. إن حماية الفضاء العام من التلوث العاطفي والتضليل المنظم تكفل تحويل الرأي العام من طاقة منفعلة تتقاذفها الأهواء إلى قوة إسناد واعية تستوعب تعقيدات التحولات الكبرى. وحين تتضافر جهود المؤسسات والتعليم والنخب لبناء هذه المناعة، فإن المجتمع لا يحصن حاضره فحسب، بل يصنع مستقبله بعقلانية وثبات.