أبو ميسي


في حديث لطيف لأسطورة كرة القدم الأرجنتينية، بل العالمية، ليونيل ميسي، تحدّث عن أبيه وتضحياته، وكيف كان يعمل، بحسب قوله، من الفجر حتى ساعات متأخرة من الليل، حتى إنه بالكاد كان يراه، وكل ذلك من أجل توفير أسباب الحياة الكريمة لأبنائه. ومع ذلك، كان الأب، رغم مشقة العمل وطول ساعاته، يجد أحيانًا متسعًا من الوقت لاصطحاب ميسي الصغير إلى التدريبات أو مرافقته إلى المباريات، ولم تكن أمه أقل حرصًا على رعايته، فقد كان والداه سندًا له في رحلته الكروية منذ طفولته، حتى إن ميسي كان شديد الحرص على معرفة رأي أبيه في أدائه بعد كل مباراة. وشخصيًّا، لا أظن أن أباه ضربه يومًا ب«ليّ تعميرة»، أو لاحقه ب«سكروب مربّع» حتى يتعلّم السَّنَع، ولا أعتقد أنه هدّده بحرمانه من الكرة إذا لم يحفظ جدول الضرب، أو أقنعه بأن «الكورة ما تاكل عيش»، وأن مستقبله مرهون بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا! وهكذا، تهيّأت لهذا الطفل أسباب الرعاية والتشجيع، التي أسهمت، بعد توفيق الله، في أن يصبح أسطورة عالمية في كرة القدم. ولا أدري كم ميسي كان بيننا، لكن أحدهم ربما تلقّى «قلم قدو» في اللحظة التي كان يستعد فيها لتسديد أول هدف في حياته، فانتهت المباراة قبل أن تبدأ، ولم يعرف أحد أن موهبة كروية قد اعتزلت وهي في الثامنة من عمرها!
في تصوّري، هناك كثير من المواهب الفذّة التي أسهمت الأسر في وأدها منذ الطفولة؛ ذلك أن «السَّنَع» الذي كان بعض الآباء والأمهات يعتقدون أنهم يغرسونه في أبنائهم، لم يكن في بعض الأحيان إلا سيفًا مسلّطًا على رقاب مواهبهم، وكل ذلك تحت لافتة «التربية»! والحقيقة أن بعض الآباء والأمهات لا يريدون تربية أبنائهم بقدر ما يريدون إعادة إنتاج أنفسهم في صور كربونية جديدة؛ فالابن يميل إلى علم معيّن أو فنٍّ من الفنون، بينما يميل والداه إلى شيء آخر، ولأن ميزان القوة في كثير من أسرنا الشرقية يميل إلى كفّة الوالدين، فإنهما قد يستعملان سلطتهما لقمع رغبات أبنائهما، لا لشيء إلا لأنهما «أبخص بمصلحتهم»! وهكذا، يجد الابن نفسه يدرس ما لا يحب، ويسلك طريقًا لم يختره، ويقضي سنوات عمره يطارد حلمًا لم يكن حلمه أصلًا، وإنما حلم أبيه أو أمه. وليس المقصود أن كل طفل يركل كرة يحمل في قدميه موهبة ميسي، ولا أن كل رغبة طفولية مشروع عبقرية مؤجّل، وإنما أن بعض المواهب لا تموت لعجز أصحابها، بل لأن أحدًا قرّر نيابة عنهم أنها لا تستحق الحياة!
الحقيقة أن ثمة قيدًا ينبغي إضافته إلى ما تقدّم؛ فليس كل أب يمنع ابنه مما يحب مخطئًا بالضرورة، إذ إن موقع الوالدين من أبنائهما أشبه بموقع رجل يقف فوق شجرة باسقة وسط غابة كثيفة، فيرى من علوّه ما لا يراه أبناؤه الذين يسيرون على الأرض، وربما أبصر لهم طريق النجاة وهم لا يزالون يتخبّطون بين أشجارها، فيُلحّ في نصحهم وتحذيرهم، لا رغبةً في قمعهم، وإنما خوفًا عليهم. غير أن الوقوف فوق الشجرة لا يمنح صاحبه العصمة؛ فقد يرى طريقًا بعيدًا، وتغيب عنه حفرة تحت قدميه، وقد يظن أن الطريق الوحيد إلى النجاة هو الطريق الذي سلكه بنفسه! ومن هنا، فإن المطلوب حوار عاقل يحترم خبرة الوالدين وحق الابن في الاختيار، ويحتكم إلى الحجة والإقناع، لا إلى سلطة الأبوة وحدها. ولعل أشد ما يبعث على الأسى أن طفلًا قد يرضخ لرغبة أبيه، فيصبح طبيبًا أو مهندسًا لا يجد نفسه فيما يعمل، بينما لو تُرك يركض خلف الكرة التي أحبّها، لربما أصبح نجمًا عظيمًا تهتف باسمه الملايين. أما المفارقة، فهي أن الأب الذي صادر كرة ابنه قبل ثلاثين عامًا، قد تجده اليوم جالسًا أمام التلفاز يشاهد ميسي، ثم يلتفت إلى ابنه الذي أصبح طبيبًا، ويقول له متحسّرًا: «شوف ميسي وين وصل، وأنت وينك!»



