أبطالُ الهامِش

تتوزَّع البطولة في العملِ الأدبي على مجموعةٍ من الأشخاص، إذ قد يكونُ البطل كائناً حيًّا مثل الإنسان والحيَوان، أو لا يكون حيًّا مثل الريحِ والمطر والحجر، أو يكون خيالاً ومجازاً مثل الهلوسات والتهوِيمات والجن والسَِحر والشِّعر والقدَر، وحين يغيبُ كلُّ هؤلاءِ فإنَّ البطولة تذهبُ إلى الهامشي واللا مرئي والمسكُوتِ عنه، وهوَ ما تطرحه روايةُ ”الأديب الضِّليل“ للكاتبِ أحمد السماري.
تبدأُ الرواية بصعودٍ صاروخي لـ ”فهد فرج“، الفتى المثقَّف والواعي، الذي يقرأُ ويستوعب ما يقرأ: ”تناول فهد كتاباً، وأخذ يقلب صفحاته بسرعة، كأنه يمسّ الكلمات مسّاً بطرف عينيه، ثم أغلقه ووضعه على المصطبة ووضع يده فوقه، وبعد دقائق بدأ يناقش صاحب المكتبة بما فيه، فقرة بعد أخرى“، فلم يترك قضيَّة أو مسألة إلا وناقشَها وأبدى رأيهُ فيها، حتى نالَ احتفاء الوسطِ الثقافي؛ لتنفتحَ أمامه أبواب النَّشر في الصحافة، وهوَ حلم قديمٌ طالما راوده: ”جاءه العرض الذي غيّر مسار حياته، إلى المكان الذي يطمح له منذ فترة غير قصيرة: منصب إشرافي تحريريّ في إحدى الصحف، مع راتب كبير، وامتيازات يحلم بها كلّ صحفي، إضافة إلى احتكار مقالاته“.
بعدَ انضمامه إلى الصحافةِ تطوَّر مستوى كتاباتِه، حتى أصبح القراءُ ”ينتظرون مقالاته“، إذ بات اسماً لامعاً، فكثرت الدعواتُ والاستِضافات، وغدا حديثَ المثقفين والمهتمِّين، الذين أشادُوا بدوره ونشاطِه؛ ما دفعه للانغماسِ أكثر في الثقافةِ والمعرفة، ليُصاب بالفتور نتيجةَ الإرهاق والعملِ المتواصل: ”بدأ اسم فهد فرج يصعد، ببطءٍ في البداية، ثم بوتيرة أسرع مما توقعنا جميعاً. لم يعد ذلك الشاب الذي يجلس في زاوية المقهى، يكتب على دفترٍ مهمل، فقد غدا اسماً يُتداول في أروقة الصحف، وتُنتظر كتاباته من قرّاء لم يروا سوى صورته المبتسمة المرفقة مع كل مقالة“.
طبيعتهُ الإنسانية تأبى الالتزامَ والبقاء على ذاتِ السلوك، إذ تملُّ سريعاً وتُصاب بـ ”الضجر“، كلَّما تكرَّرت الفعاليات والأمسياتُ والندوات: ”كان فهد حادّ الطبع، سريع النفور، لا يجامل، ولا يحسن التظاهر بالقبول“؛ لهذا تجمحُ نفسه بعد زمنٍ محاولةً تغيير واقعها، وهوَ ما أدَّى به للوقوعِ في مشكلات عديدة، نتيجة قيامه بسُلوكياتٍ ”غير مفهومة“.
أسوأُ ما يمكن حدوثهُ أن يُطرد ويُتخلَّى عنه، فيفقدُ جاذبيته في المجالسِ والمنتديات، وهوَ ما حصل تماماً، إذ انتقلَ من كونه أحدَ أهم الأسماءِ في المشهد، إلى كونهِ ”عبئاً“ على المنظِّمين، الذين ما عادوا قادرينَ على احتمال تصرُّفاته: ”قال فهد، بصوت مكسور: يا سعادة الوكيل، لم يبقَ في الوجه ماءٌ يُراق. رفع الوكيل رأسه أخيراً، نظر إليه مباشرة، وقال بلهجة حاسمة: لقد تفرعنت يا فهد. فاعرف مقامك، ولا تتجاوز حدودك“.
تخلَّى عن حياته مُفضِّلاً ”العزلة“ على الظهور، وهوَ فعل ظلَّ يتكرَّر؛ بسبب جمعهِ بين صفتين متناقِضَتين: العملِ الدؤوب للوصولِ إلى الشُّهرة، والضجرِ السريع من الرَّتابة: ”كان هناك تناقض يصعب تجاهله. فهد الذي يحفظ بسرعة، ويفهم بعمق، ويقرأ بنهم، لا يملك الصبر الكافي للاستمرار في طريق واضح. كان يمل سريعاً، ويترك الشيء قبل أن يكتمل، وينتقل من فكرة إلى أخرى، كأنّ الثبات عدوٌّ خفيّ يطارده“، فانتهى به الحالُ إلى الانكفاءِ وتعذيب النَّفس وإهمال الجسَد.
حِينما طُرد من إدارة الأنشطةِ الثقافية بسبب سُلوكه غيرِ المتزن، انغمسَ في العربدة و”السكر“، إلى أن تلقَّى اتصالاً يعرض عليه إدارةَ ”اثنينية“ في مدينةِ ”جدة“، حيثُ سيتولَّى تنظيم الفعالياتِ واختيار الأسماءِ والموضوعات، وسيحصلُ على راتبٍ ممتاز، وسكنٍ في أحد الفنادقِ: ”مكالمة هاتفية، جاءت من غير ميعاد. المتصل: مسؤول رفيع المستوى في إمارة منطقة مكّة المكرّمة، يقيم في مدينة جدّة.. قال له باختصار: أحد وجهاء جدّة، عنده متحف خاصّ، ويقيم ندوات ثقافية أسبوعية، وهو بحاجة لشخص مثقّف، يعمل عنده كمستشار ثقافي، يساعد في اختيار الضيوف، وتنظيم المواضيع الثقافية، وإعداد جدول شهريّ وسنويّ للفعاليات“.
رآها فرصة قادمة فوافقَ، وعاهدَ نفسه على عدمِ العودة إلى ممارسَاتهِ السابقة، لكنَّه وكما في كلِّ حياته، حينَ يشيد الجميعُ به وبتنظيمه واختِيَاراته يُصاب بالضَّجر، ويبدأُ النفور والتصرُّف بسلوك غيرِ مفهوم، حيث قدَّم مداخلة ضدَّ أحد الضيوف، وبحضورِ صاحبِ الاثنينية؛ لتحلَّ ”المصيبة“ ويُطرد: ”استُدعي فهد إلى مكتب الوجيه. لم يقابله الوجيه، إنّما قابله الشخص نفسه الذي اتّصل به في بداية المشوار. سلّمه خطاباً رسميّاً: إنهاء التعاقد، ومعه شيك بكامل مستحقاته حتى نهاية عقده، وتذكرة طيران إلى الرياض في اليوم التالي، ثم قال له بنبرة هادئة: الليلة هي ليلتك الأخيرة في الفندق“.
كَعادته حينما تتقطَّع به السُّبل، لا يجدُّ إلا صديقهُ ”جبران“ يستندُ عليه ويستدينُ منه، في انتظارِ الفرصة التي لم تتأخَّر، إذ صدر ”تشكيل وزاري جديد“ تضمَّن ”صديقه المسؤول في إمارة مكّة المكرّمة“، حيث تم تعيينه ”وزير الإعلام والثقافة الجديد“، وهنا أشارت عليه المرآة: ”اكتب عنه. التفت إليها: كيف؟ - اكتب مقالات متتالية، اشكر القيادة على حسن الاختيار، قدّم رؤيتك، وخلّها تمرّ من خلاله. صمت قليلاً، ثم ابتسم فجأة، وقال بصوتٍ مرتفع: ونعم الرأي“.
تلقَّى بعد أيامٍ اتصالاً من ”مدير مكتب وزير الإعلام والثقافة“، الذي حدَّد له موعداً للحضور ومقابلةِ الوزير، وهناك عُرِضَ عليه ”رئاسة النادي الأدبي بالرياض“، فما كانَ منه إلا شُكر الوزير؛ ليبدأَ اسمه في الصُّعود، وقبل انتهاء السنوات الأربع، استُبدل الوزير بآخرَ، لا تربطهُ به أيُّ علاقة؛ لتتكشفَ ”المخالفات النظامية“ التي قامَ بها، وبِسَببها يستحقُّ أن يُزجَّ به في ”السجن“، إذ تنازل عن قطعةِ أرض مملوكةٍ للنادي، مساحتُها ”عشرة آلاف متر“، وتبلغُ قيمتها ملايينَ الريالات، وتقعُ على أهمِّ شارع في الرياض، دونَ أن يستشير أحداً من الأعضَاء.
اكتفَى الوزير الجديدُ بـ ”منعه من الظهور الإعلامي“، عبرَ أيِّ وسيلة وبأيِّ شكل، فانحسرَ حضوره وابتعدَ عنه المثقفون، وصارَ لا يجد إلا صديقهُ جبران، الذي أخذَ يستلف منه ويطلبُ إيصاله بالسَّيارة ودفع فواتيرِه، ومعَ ازدياد حالتهِ الاقتصادية والنفسِيَّة سوءاً؛ اتَّجه نحو السهر وقضاءِ وقت أطولَ مع رُفقاء الخمر والدخانِ والمخدَّرات: ”حين ركب السيارة، نظرت إليه، رأيته أسوأ ممّا تركته. قلت: هل بقيت كلّ هذه المدّة هنا؟ ردّ ببساطة: نعم. أكل، وعرق، ودخان، ونوم.. ما فيه أحسن من كذا.. ثم سكت لحظة، وأكمل: وش يريد الإنسان أكثر من كذا؟ لم أجد جواباً. قلت: طيب.. طالما كنت مبسوط.. ليش تركتهم؟ ضحك ضحكة صغيرة، فيها شيء من السخرية المرّة، وقال: طردوني. شكّوا إنّي مخبر إدارة المخدّرات“.
أمامَ حياة لا تستحقُّ ولا يتم الاهتمامُ بها تأتي النهايةُ المأساويَّة، إذ سقطَ وتمَّ نقله إلى ”مستشفى الإيمان“، وهناك يغيبُ عن الوعي ويموتُ ”مجهول الهوية“، ولولا سؤالُ جبران عنه لما تم التعرُّف عليه: ”توجّهت إلى متجر التموينات القريب، وسألت صاحب المحلّ: شفت فهد؟ نظر إليّ لحظة، ثم قال بكلمات مختصرة وعادية: طاح على الرصيف قبل يومين أو ثلاثة.. وجاء الإسعاف شاله“؛ ليُسدل السِّتار على شخصية مضطَرِبة، تُعاني من ”الفصام“، عاشَت ومضت دونَ أن تترك ”أثراً“ أو ”مشروعاً“.
فهَد فرَج ليس البطلَ الوحيد، رُغم أنه الأكثرُ ظهوراً، إذ الروايةُ تحكي سيرته بلسان جبران، ليتمَّ منحُ شخصيَّات تسكنُ الهامش وتعيشُ الظل؛ فُرصة للبروز والانتقالِ إلى واجهةِ المشهد، حيث غيابه مثَّل بداية لانتقالِ البطولة إلى أشخاصٍ، استطاعوا التأثيرَ في مسارِ الأحداث، عبرَ المساعدة في اتخاذِ قراراتٍ مصيريَّة، أو الدفعِ إليها، كما صنعَت المرآة، وجبرَان، و”صاحب الاستراحة“، والوجِيهُ، والوكيل.
تحكي الروايةُ سيرة ”المثقف المصنوع“، المصابِ بـ ”الفصام“، الذي يعيشُ ”الوهم“ ولا يستطيعُ الابتعاد عنه، حيثُ يرغب في ”الشهرة“، لكنَّه لا يتمكَّن من كبح لسانهِ وقلمه عن انتقاص ِالآخرين، إذ يراهم أقلَّ وأدنى مَعرِفة وثقافة، وهوَ ما يؤدِّي به إلى السُّقوط والغياب؛ ليظهرَ أشخاص آخرون، يقومُون بأدواره ويصبحُون أبطالاً عوضاً عنه.



