نجيب محفوظ والقراءة - 2

لم يقرأ الكاتب المصري الشهير نجيب محفوظ طوال حياته أي كتاب أو عمل مرتين «إلا القرآن، كما قال»؛ بسبب نهمه إلى الجديد، وذلك على الرغم من رغبته في إعادة قراءة بعض الكتب، مثل روايتي الحرب والسلام والبحث عن الزمن الضائع «من كتاب: صفحات من مذكرات نجيب محفوظ، رجاء النقاش».
وكان يقرأ أيضا باللغتين الإنجليزية والفرنسية لمختلف الثقافات الأوروبية والأمريكية والآسيوية. ولم تكن القراءة مرتبطة عنده بما يكتب، بل كان مهتمًا بكل المجالات، ”بحيث لا يمر عام إلا وأكون أخذت نصيبًا من كافة المجالات: في التراث، والسياسة، والثقافة العامة، والثقافة العلمية، والأدب العالمي، وغير ذلك“. وكان يقرأ أكثر من كتاب في وقت واحد، وحينما كان لا يجد ما يقرأ فقد كان يقرأ في دائرة المعارف البريطانية.
وعن أول مبلغ تقاضاه عن قصة كتبها قال: اتصل بي المرحوم صلاح ذهني من مجلة الثقافة قال لي: يا أخي أنت سببت لنا مشكلة، قلت: خيرًا.. لماذا؟ قال: لك جنيه مكافأة لم تصرفه، دهشت، سألته: ولكن لماذا تعطونني هذا الجنيه؟ قال: إنه مكافأة عن قصة، تزايدت دهشتي، سألت: ”هي القصص بفلوس؟“. عرفت أنهم أثناء مناقشة الميزانية العمومية في نهاية السنة وجدوا هذا الجنيه الذي حال دون تقفيل الميزانية.
ثم بدأ محفوظ نشر بعض أعماله في بعض المجلات، ومن بينها «المجلة الجديدة» لسلامة موسى. وتحدث عن نشر رواية خان الخليلي التي طبع منها 15 ألف نسخة نفدت خلال أسبوع، ثم طبع منها طبعة ثانية وثالثة ورابعة، وساعد على ذلك وجود طبعات شعبية أوصلت الكتب إلى فئات جديدة في المجتمع.
وكان لديه نظام صارم في الكتابة، ولم يكن ذلك - كما كان يقول - يتناقض مع ما يسمى الإلهام، حيث يجلس للكتابة مهما حدث، حتى إن بقي ساعة أو أكثر دون كتابة كلمة واحدة. وعن ذلك يقول إنه يظل في حالة تفكير دائمة في جزئيات الروايات وتفاصيلها؛ لأن الرواية ما هي ”إلا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكوّن العمل الروائي في النهاية“. وهو خلال ذلك يفكر وهو في الوظيفة وأثناء المشي، وحتى وقت الطعام، مع ارتباط الكتابة عنده بعادتين: تدخين السجائر، والخلفية الموسيقية التي لا يلتفت إليها. أما عن المكان الذي يجلس فيه عند الكتابة فقال إنه لا يستطيع أن يكتب أعماله الروائية إلا في البيت، بخلاف كتابة السيناريوهات ففي المقهى؛ ”لأنها لا تحتاج إلى نفس درجة التركيز التي تحتاجها الروايات“ «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ، ص 339».
ويروي عن تجربته في الكتابة أن أي رواية تستغرق منه شهرًا مُسوَّدةً، وبقية شهور السنة لتبييضها، ”والإبداع الحقيقي يكون في العملية الأخيرة“، وهذه العملية في جميع رواياته، مع وجود فرصة لعدة أيام بين مرحلتي التسويد والتبييض ”بحيث أكون خرجت هذه الأيام من الحالة النفسية التي كنت عليها وأنا أكتب، واستعدت لياقتي الذهنية“.
هكذا إذن كانت رحلة أول كاتب عربي يحوز جائزة نوبل للأدب بعد رحلة طويلة من القراءة والكتابة مع نظام يومي صارم وانضباط في برنامجه اليومي، جدير بأن يقتدي به جيل الشباب اليوم وأن يجعلوا من القراءة جزءًا لا يتجزأ من حياتهم مفرغين لها الأوقات كل يوم.



