قيلولة مؤلمة


بينما كنت جالسًا على كرسي في أحد مجالس العزاء بإحدى الحسينيات، وإذا برجل كبير في السن يُقبل، وكان يتلفت حوله في أرجاء الحسينية بحثًا عن مكان يجلس فيه، فنهضت من مكاني وتوجهت إليه، وأمسكت بيده وأجلسته مكاني، وجلست على الأرض.
فبدأ الخطيب القراءة والنعي بأبيات حزينة، وكنت قد وضعت رأسي بين ركبتيّ وأنا أستمع إليه، وكان القارئ خطيبًا مميزًا ذا صوت جميل، وكان المجلس مكتظًا بالمستمعين.
فلما انتهى الخطيب من أبياته، بدأ يتحدث عن موضوع يتعلق بالجحود ونكران المعروف. وكنت متعبًا بعض الشيء، فأغمضت عينيّ برهةً لم تتجاوز وقتًا يُذكر، ربما كانت دقيقة أو ثوانيَ معدودة غفوت خلالها.
وإذا بروحي تنفصل عن جسدي، وتقف فوق رأسي محدقةً بي، ولم ترحل أو تبرح مكانها، فعادتها في المنام أن تنطلق وترتع وتلعب، وأنا لا أعلم عنها شيئًا. أستعود إليّ أم سترحل عني إلى بارئها؟
فسألتني، وكأنها تجهلني، قائلةً:
«يا هذا، من أنت؟»
وكأنني غريب عنها!
وإذا بي جالس في أرض قاحلة جافة، فيها شجرة ضخمة بلغت من العمر عتيًّا، وكنت في صمت وذهول مما أرى.
وإذا بها تكرر سؤالها، فقالت لي:
«من أنت؟ أجبني!
أأنت ذلك الغصن الهزيل المنكسر على تلك الشجرة؟ أم أنت تلك الورقة التي ذبلت ويَبِست وسقطت على الثرى؟ أم أنت تلك الشجرة التي امتدت جذورها بحثًا عن الماء الدفين لتتشبث بالحياة وتصبح مثمرة؟ أم أنت هذه الأرض القاحلة التي أعطت فأغنت، وكفت ووفت، ولما جفّت، تُركت وهُجرت؟
ولا تقل لي إنك تلك الثمرة الوحيدة الذابلة في أعلى هذه الشجرة!»
وما إن أكملت حديثها حتى سقطت تلك الثمرة على الأرض.
فعاتبتني روحي ونهرتني بصوت حاد مرتفع، قائلةً:
«لمن ستُفني ما تبقى من عمرك القصير في هذا الجسد النحيل؟ أللذين أنكروا فضلك وإحسانك، ورأوك في النهاية بلا فائدة، وليس فيك خير يُذكر ولا حسنة طيبة تُذكر؟»
فدمعت عيناي حتى ملأت دموعي أرجاء الأرض من حولي، وإذا بتلك الثمرة اليابسة التي سقطت على الأرض ترتوي من دموعي، فأنبتت جذورًا وسيقانًا وأوراقًا، فاشتد غصنها وازداد طولها، وأزهرت وأينعت ثمارها.
فشعرت بالفرحة تغمرني، واستبشرت، ولم تدم فرحتي إلا لحظة، وإذا بالأرض تنشق بجانبي وتبتلعني.
فنهضت من قيلولتي مذهولًا، وجسدي يتصبب عرقًا، وكأنني نمت ألف سنة.
والحمد لله رب العالمين على جزيل نعمه وسعة فضله.



