إليك بُني.. «3».. الخذلان

إليك بُني..
ومع الأيام، وكلما أنضجتك الحياة، ستجد أن الحقد، يسلب مروءة الذوق من الإنسان.
ودون أيّ مبرر تراه يزدحم بالمشاعر السلبية تجاهك، يصارع ذاته أيامًا، يضرب الأعداد بعضها ببعض، ويتجسد الحقد في تفاصيل وجهه، ولمساته غير التوافقية مع التعقل، ظنًا أن الآخرين، هم رهن ابتسامته، وطوعًا إلى خلجاته، يتأرجحون على أرجوحته النفسية.
مثل هكذا أناس لا تجعل لهم مكانة في تكوين شخصيتك، وعلاقاتك الاجتماعية، دع ثمّة مسافة بينك وبينهم، لا تمنح للظروف الفرصة؛ ليتسرب إلى نافذتك الغبار، حتى لا تغيب الحقيقة، الصدق فيما تراه مكونًا رئيسًا في شخصيتك، والتي تراكمت مع الأيام، واجتهدت في جعلها بأبهى صورة، أنت أردتها، لا هم الذين أرادوها لك.
تأكد "بُني" أن الأصعب في الحياة، أن تتعامل مع أناس، يرونك أقل منهم، أناس الغرور ملازم أذيال ما يلبسون، وما يتحدثون، وما يتعاملون به مع الآخرين.
لتكن على ثقة "بُني" أن الحاجة إلى الآخرين تجيء طريقًا لاستصغارك، وأنها سبيل إلى جعلك تذرف الدموع على أيام كنت تتألم فيها بسبب كلمة هنا، وبسبب موقف هناك، وبسبب تجاهل ما بين هذا وذاك.
اطمئن "بُني" أن كل هذا لا ينقص من شأنك، ولا يبعث الإحباط إليك.
تعلم "بُني"، لا تأتي الحياة كما يشتهى، وتسير كما نريد في علاقاتنا الاجتماعية، عطفًا على مجمل العلاقات، وما توظفه في هذه الحياة.
وبناء على ذلك، توقع اللا متوقع، فقد تزرع ذات ضوء بذرة، وتصفعك شوكة من غصنها، والتي سكبت عليها قطرات الماء بكل حب وشوق.
هكذا هي الحياة، في لحظة ما، وفي بقعة ما، وفي تفرد ذاتي، كأنك لم تكن.
لتدرك "بُني" أن بعض الغياب يقاسمنا الوجع ويشعل في العين رماد الضياع، ولكن عليك أن تكون، كالوتد في الخيمة، تستقيم كل زواياها، كما أنت تستقيم، كوتد لا تذروه الرياح، بقدر كونها تضفي عليه الثبات، وإن تمايل حينًا، فلا يعدو أن يستقيم.
كل شيء ينتهي في لحظة.
هكذا هي الحياة.
وفي النهاية، وكأن شيئًا لم يحدث، تمر ذكراهم؛ لتشعل الروح، وتطفئ الروح، كانوا سحابًا مرَّ ذات يوم من هنا، يمنحنا الدنيا بألوانها، أنغامها، لمساتها، ثم لا شيء، سوى طيف مرَّ من هنا.
يا أنت "بُني" كن واثقًا أن الحياة أكبر دليل على مدى الصدق، والذي ستشعر به يومًا لظل كان يشبهك، وكالماء يتسرب بين أصابعك، إنها مصلحة كنت بوصلتها، وقد أينعت ثمارها، وفي الخريف تساقطت على التراب؛ تذروها الرياح.
يا أنت "بُني" كن كالمخرج السينمائي، يعرف أنه تمثيل غير حقيقي، ولكنه يشاهدهم، ويتعمق فيهم، ويستمتع بما يبصر، ويضحك لما يحكى حينًا، ويبكي أخرى.
"بُني" لا تقلق إن الأصعب ما سيمرُّ عليك، أن تحتويك كل الثقة بأنهم لن يذهبوا، ولكنهم ذهبوا، لذا مدَّ يديك، وافرش رمشيك، وحدق بعيدًا، هناك حيث يلثمك الصبر، هذا الصبر الذي ستحكيه ذات يوم بأنه الصبر الجميل، والنعمة التي ستغير حياتك لما تنشده أنت.
إنها تقنية اتبعها "بُني" لا تحكم على الآخرين دون سؤالهم، فإن ما بين الجهل والمعرفة، يأتي السؤال، فإن الإنسان وليد الظروف، فلا تحكم على غيرك دون معرفة ظروفه، فقد تعذره، وفي ذات الضفة لا تعتب على أحد، من أراد الرحيل، ليرحل لا شيء يتغير، كل له وجهته، فاكتم ما بداخلك إلى حيث أنت.
أتعلم "بُني": عندما أعود بذاكرتي إلى حيث كان، والتي كنت فيها كظل، كل ما أرجوه حينها التحديق في نظارتي بدقة، والذهاب إلى أقرب محل، واستبدالها بأخرى، إنه الخذلان "بُني".



