رسالتك في السفر

جلستا تتجاذبان أطراف الحديث وهما مغتبطتان، ولم تكتم (علياء ) سرورها عن صاحبتها، فقالت:
ــ أنا سعيدة بهذا السفر معكِ يا عزيزتي (دعاء) ، وأشكر الله على أن وفّقني برفيقة مثلك.
فأجابتها دعاء مبتسمة:
ــ وأنا سعيدة جدًّا يا علياء، لقد سافرتُ مرارًا خارج البلاد، لكنّي لم أشعر بالاطمئنان والرضا كما أشعر به في هذه الرحلة. فمنذ تلك الليلة التي اتخذنا فيها القرار، أحسستُ أنّ وجودك معي عنصرٌ أساسيٌّ في سعادتي وطمأنينتي.
فقالت علياء:
ــ أشعر يا دعاء أنّك ملاكٌ أرسله الله إليّ.
فابتسمتا، ثم تذكرت دعاء مقولة مشهورة فقالت:
ــ هناك عبارة جميلة تقول: «الرفيق قبل الطريق».
وبما انه يكره في الإسلام أن يسافر الإنسان وحده وبمفرده، فعن أبي عبد الله (ع) قال: «قال رسول الله(ص): ألا أنبئكم بشر الناس؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: من سافر وحده، ومنع رفده، وضرب عبده»
فالسفر يحتاج إلى رفيق دربٍ يتّصف بطاقة إيجابية، ويُستحسن أن يكون الإنسان مرنًا في التعامل مع الآخرين،
ويستحب رعاية مكارم الأخلاق في السفر، وحسن الصحبة، ومراقبة الحقوق،ليقضي رحله ممتعةً سهلةً ميسّرة.
ومن توفيق الله تعالى أن يرزق المرء رفيقًا صالحًا في سفره؛ فيرتاح معه في التنقلات، وينهل من علمه إن كان صاحب علم، ويكتسب من أخلاقه إن كان ذا خُلقٍ رفيعٍ وصفاتٍ حسنة، وينتفع من عزيمته إن كانت الرحلة عباديّة. فتصبح الرحلة حينئذٍ مريحةً جميلةً زاخرةً بالبركة.
أمّا إذا لم يُرزق المرء رفيقًا حسنًا، وابتُلي بضدّ ذلك، فليتذكّر أنّ الله عزّ وجلّ قد جعله هو الرفيق الموهوب لذلك الآخر، ليهديه بعلمه وحلمه وحكمته، وليكسب هو الأجر والثواب.
كثيرًا ما نتضجّر حين نصادف في رحلتنا شخصًا فوضويًّا أو مخالفًا لطباعنا، فنشعر بالضيق والانزعاج. ولكن، لو تأمّلنا قليلًا لعلمنا أنّها أيّام معدودة، ثم ينصرف كلٌّ إلى حال سبيله، فلا داعي لأن نكدّر صفو نفوسنا بالملل والسأم.
وهنا ينبغي أن نتذكّر أنّ الله تبارك وتعالى قد وهبنا العقل ليميّزنا عن سائر المخلوقات، فبه نستطيع إدارة المواقف، والتدبّر والتفكّر، وحلّ الأمور الصعبة، وتخطّي الأزمات. فلا يليق بالإنسان أن يركن عقله جانبًا ويستسلم لعواطفٍ ومشاعرَ سلبيةٍ تُفسد عليه ايامه،
إنّ الحياة بأسرها قاعة اختبار، وكلّ حركةٍ وسكنةٍ منّا جوابٌ يُسطَّر في صحائف الأعمال: إمّا في صحيفة الحسنات أو في صحيفة السيئات. فالاختبار أحياناً كثيرة يكون بهيئة رفيق للسفر يمتحنك الله في قدرتك على التحمل والصبر .
والإنسان ضعيف بطبعه، يتمنّى أن تجري أموره وفق هواه في كل حين، غير أنّه لو نال ذلك دائمًا، لما ذاق طعم الفرح بعد الحزن، ولا حلاوة السكينة بعد الشدّة، ولما كان للعقل وظيفة في التمييز والتدبير، ولا للقلب درس في الصبر والتسليم.
فسبحان من دبّر بقدرته، ولطف بعباده بحكمته، وجعل لكل موقفٍ رسالة، ولكل رفيقٍ أثرًا، ولكل سفرٍ عبرةً تُذكّر السائر أنّ الدنيا دار ممرّ لا مقرّ



