الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولاً 15 | التدرج الزمني في تشريع الصيام

صُبرةالجمعة 14 أغسطس 2026، 2:39 م
القرآن أولاً 15 | التدرج الزمني في تشريع الصيام

الشيخ علي الفرج

الآيات الثلاث المتتابعة في سورة البقرة حول أحكام الصوم من المواضع التي أثارت إشكالا تفسيريا وفقهيا عند المفسرين والفقهاء، وهي من الآيات الدقيقة جدا في دلالاتها. وقد يكون مفتاحها في النظر إليها بوصفها ثلاث مراحل تطورية زمنية في تشريع الصيام، وليس بوصفها آيات تكرر الحكم نفسه أو تجعله في سياق تشريعي واحد:

أولا: إنشاء أصل الوجوب

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

تؤسس هذه الآية أصل وجوب الصيام، فالتعبير القرآني ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ يفيد تشريع الحكم وإلزام المكلف به، وهو استعمال نجده في مواضع أخرى، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178].

غير أن الآية لا تحدد زمنا معينا للصيام، ولا تذكر شهر رمضان، وإنما تركز على أمرين: إنشاء أصل الحكم، وبيان غايته، وهي بلوغ التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

ثانيا: مرحلة الفسحة والوجوب التخييري

قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184].

تنتقل الآية الثانية من أصل التشريع إلى بيان تفاصيل تتصل بأداء الصيام، فتصفه بأنه ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ولفظ «معدودات» لم يحدد عددا معينا بذاته، وإنما يدل على أيام محدودة محصورة قابلة للعد، دون أن يكون في اللفظ وحده ما يقتضي ثلاثين يوما أو غيرها.

ثم تبين الآية حكم المريض والمسافر: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فجعلت لهما بديلا عن أداء الصيام في وقته، وهو قضاء عدة من أيام أخر.

ثم تأتي العبارة الأهم في هذه المرحلة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.

ويمكن فهمها على أنها تتيح للمكلف القادر على الصيام مع شيء من المشقة أن يختار بين الصيام والفدية؛ فيكون التكليف متعلقا بأحدهما على سبيل التخيير، فتبرأ الذمة بفعل أحدهما، ولا يجوز تركهما معا. وهذا هو الوجوب التخييري، في مقابل الوجوب التعييني الذي يتعين فيه فعل الواجب ولا يجزئ عنه غيره.

وعلى هذا، فإن من كان الصيام شاقا عليه مع بقاء قدرته عليه أيضًا، كان مخيرا بين أن يصوم، وهو الأفضل، أو ينتقل إلى الفدية؛ وهو ما يتوافق مع قوله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

ومن المفيد هنا الوقوف عند التعبير ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، إذ يحتمل استعمالين، والأرجح الثاني:

«طاق»: يدل في أصل الاستعمال على القدرة والاستطاعة، ويكون مضارعه: ﴿يَطِيقُونَهُ﴾.

«أطاق»: يدل على القدرة مع الجهد والكلفة، وعليه يمكن، بل يتعين، حمل ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على معنى «أطاق»، أي: من يستطيع الصيام مع شيء من المشقة.

ويستفاد، أن من يشق عليه الصيام لطول النهار أو شدة الحر، أو بسبب عمل شاق، أو لضعف يعتريه مع بقاء أصل القدرة عليه، لا يكون في حال عجز تام، بل في دائرة القدرة المصحوبة بالمشقة؛ فيجوز له الإفطار، ويكون الصيام أفضل.

ثالثا: مرحلة الوجوب التعييني

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚفَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

في هذه المرحلة ينتقل الخطاب إلى تحديد زمن الصيام، فيربطه بشهر رمضان، ثم يأتي الأمر الصريح: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

وهنا يظهر الانتقال من بيان أصل الصيام إلى تعيين زمنه وبيان كيفية أدائه. أما المريض والمسافر فاستثناهما النص صراحة، فجعل عليهما العدة من أيام أخر.

وعلى القراءة السابقة، تكون جملة ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ناظرة إلى مرحلة تشريعية سابقة جرى تجاوزها، فأصبح الصيام هو الأصل المتعين على من شهد الشهر وكان قادرا عليه بجهد أو بغيره، وبقيت الرخصة للمريض والمسافر بنص الآية نفسها.

وهنا ينبغي التفريق بين المشقة المعتادة التي قد تصاحب الصيام، وبين الحرج الشديد أو الضرر الذي يخرج بالمكلف عن القدرة المعتادة. فالآية ختمت هذا التشريع بذيل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فيكون حكم من يلحقه ضرر أو حرج شديد هو سقوط وجوب الصوم عنه بلا بدل ولا فدية.

والمحصل في هذا المقال ثلاث مراحل متدرجة في تشريع الصيام:

١ – أصل وجوب الصيام.

٢ – أيام معدودات، وفيها فسحة لمن كان الصيام عليه جهدا مع بقاء قدرته عليه.

٣ – شهر رمضان، وفيه يستقر وجوب الصيام، ولا فسحة فيه لمن كان الصيام عليه جهدا أو شاقا مع بقاء القدرة عليه.