الإثنين 26 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القُرم في أسيافه الأولى

صُبرةالإثنين 26 أكتوبر 2026، 2:45 م
القُرم في أسيافه الأولى

حسن دعبل

ينبت الگرم “القُرم” في الأسياف المنسيّة. نبتت ونمت شجرته في أمكنته المهجورة. أيامها لم تكن الأسياف على ما هي عليه الآن.

الدواب والبشر مشت على رماله الناعمة. فطابت الأرض وهبّت حَصاته النابتة وما رمته أمواج البحر على الأسياف. تهبُّ نسماتٌ عذبة في الأماسي فتبرد الرمال الناعمة وتغفو الأجساد المغسولة بملوحة الماء وتتراقص خشب البحارة الصغيرة منها والكبيرة مُتغنّجة بتهادي الماء في المد والجزر.

الصورة ليست كما تبدو في توغّل النبتة الگرمية. فقد غدت الأسياف مُتبدّلة في تحوّلها إلى وحلة الماء والتربة كما أوحال حاضنة لِنموها. ولم يكن أهلنا في إبحارهم وطرحهم حول الأسياف القريبة من بنادرهم على درايةٍ كافية بنمو هذه الشجرة قرب أسياف بعيدة عن خشبهم وما داسته أقدامهم الحافية غير رمال ناعمة لا ينبت بها الشوك والريحان إلا نباتات بحرية صفراء لونها يسرّ الناظرين.

الگرم نبتت بعيدًا عن البنادر المأهولة بالأنفاس ولم ينبت إلا في أمكنة نائية الإبحار.

لا تهبّ منها نسمات الغربي ونسناسه ولا رائحة مغسولة بمالح الماء وفشوت الأقواع وخيرانه المترامية.

تطول النبتة ويشتد عودها حسب المكان الذي نمت قرب قيعانه وطينه وما يدور من ماية البحر في استدارتها على اليال. ولأنهم جابوا الأسياف جلّها اختاروا منها ما يقيهم برد الشتاء وما تطول نيرانه مرمية تحت قدور طبيخهم. لذا عرفوا أن شجرة الگرم المتنامية قرب أسياف صفوى هي الأقوى بسيقان نموها والأصلب في النار الساجرة. حتى إنهم في قفالّ الغوص وموسم هبوب رياح الشمال الباردة وموسم الأمطار ووسمه يخطفون أشرعتهم بخشبهم الصغيرة سانية ومسانية ومعليّة على هير أم رحيم قرب أسياف صفوى النابتة فيها شجرة الگرم المنعوتة.

بحسّهم البحري وفطرتهم أدركوا قوة سيقانها حتى نعَتوها:

گرم صفّا للحِمّاية والوقود.

الغرابة أن تنبت هذه الشجرة في غفلة من موت الأسياف المأهولة مُدبرةً وتفقد بريق رمالها الذهبية في الوصف والغناء. فتسكنها شجرة نبتت حين غمضة من هجرة المهن وتحوّل البنادر وهبوب الكوس برائحة الگرمة المغسولة بطينٍ آسن للمكان وتبدّله.