الإثنين 26 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تحذير أكاديمي من تجميل تراث القطيف على حساب أصالته

صُبرةالإثنين 26 أكتوبر 2026، 2:49 م
تحذير أكاديمي من تجميل تراث القطيف على حساب أصالته

القطيف: صُبرة

حذّر باحثان من جامعة الأمير محمد بن فهد من أن تتحول مشروعات المحافظة على التراث العمراني في القطيف إلى مجرد تجميل للواجهات التاريخية، على حساب أصالة المباني وموادها وخصائصها المعمارية، ودعوا إلى اعتماد التوثيق العلمي والتقنيات الرقمية الحديثة أساساً لأي تدخل في المواقع التراثية.

وجاء التحذير في دراسة علمية أعدها دانييلي بياكو وفرانشيسكا دال تشين، من جامعة الأمير محمد بن فهد في الخبر، ونُشرت في 5 أكتوبر 2026، ضمن المجلد 72 من سلسلة «Materials Research Proceedings»، بعنوان «أساليب المسح الذكي للمحافظة على التراث الساحلي في المملكة العربية السعودية: حالة القطيف».

واختار الباحثان القطيف نموذجاً للتراث الساحلي المهدد بفقدان أجزاء من نسيجه العمراني التقليدي، في ظل التوسع الحضري والتحولات الاقتصادية وضغوط التنمية السياحية، مؤكدين أهمية المحافظة على المباني التاريخية بوصفها شواهد مادية على تاريخ المكان، وليس مجرد عناصر جمالية يمكن إعادة إنتاجها.

تزييف التراث

خصص الباحثان جانباً من الدراسة لمناقشة ظاهرة أطلقا عليها «تزييف التراث المعماري» (Architectural Heritage Washing)، ويقصدان بها إعادة تشكيل المباني والمناطق التاريخية بصورة تبدو قديمة وأصيلة، لكنها لا تستند بالضرورة إلى خصائصها الأصلية أو وثائقها التاريخية.

وأوضحا أن بعض مشروعات التطوير قد تعيد بناء عناصر معمارية لأغراض جمالية أو سياحية، مع تغيير مواد البناء والأبعاد والتكوينات الأصلية، بما يؤدي إلى تقديم صورة متخيلة عن الماضي بدلاً من المحافظة على شواهده الحقيقية.

وحذّرا من أن هذا النوع من التدخلات قد يمحو القيمة التوثيقية للمباني، حتى لو منحها مظهراً تراثياً جذاباً، مشيرين إلى أن المحافظة على التراث تتطلب فهم تاريخ المبنى ومواده ووظائفه وعلاقته بالمجتمع المحيط.

دبي.. صورة متخيلة للماضي

استشهد الباحثان بمشروع «المدينة القديمة في دبي»، الذي طُوّر بين عامي 2014 و2017، واعتبراه أحد أبرز الأمثلة على ما وصفاه بتزييف التراث المعماري.

ورأيا أن المشروع أعاد تفسير أشكال معمارية تاريخية لإنتاج صورة جذابة للماضي، دون الالتزام الكامل بالنسب والمواد والخصائص الأصلية للمباني.

ومن الأمثلة التي أوردتها الدراسة إضافة شقوق اصطناعية إلى الواجهات لإظهارها بمظهر قديم، وإعادة إنشاء أبراج الرياح بوصفها عناصر زخرفية منفصلة عن وظيفتها التقليدية في تهوية المباني.

واعتبر الباحثان أن مثل هذه الممارسات قد تحول التراث إلى مشهد سياحي أو تجاري، بدلاً من المحافظة على قيمته التاريخية والمعمارية.

الدوحة.. السوق بقي حياً

وفي المقابل، عرضت الدراسة تجربة إعادة تأهيل سوق واقف في الدوحة بوصفها نموذجاً مختلفاً، اعتمد على التوثيق التاريخي وفهم الاستخدامات الاجتماعية للمكان.

وأشارت إلى إزالة إضافات معمارية غير ملائمة، وإعادة استخدام مواد وتقنيات بناء تقليدية، من بينها الخشب والخيزران والطين والقش، مع المحافظة على وظيفة السوق مكاناً للتجارة والتواصل الاجتماعي.

ورأى الباحثان أن استمرار حضور السكان والتجار والمتسوقين في سوق واقف ساعد على المحافظة عليه بوصفه جزءاً من الحياة اليومية، بدلاً من تحويله إلى موقع سياحي يعرض صورة جامدة عن الماضي.

وتطرقت الدراسة كذلك إلى مشروعات التطوير في مشيرب، ضمن مناقشتها لتجارب إعادة إحياء الهوية العمرانية في الدوحة.

أشيقر.. أكثر من 100 منزل

وقدّم الباحثان قرية أشيقر التراثية في المملكة نموذجاً إيجابياً للمحافظة على العمارة التقليدية، مستشهدين بترميم أكثر من 100 منزل على مدى سنوات، بمشاركة مبادرات تطوعية من السكان.

وأبرزا استخدام مواد البناء التقليدية، ومنها الطين والحجر الجيري، والمحافظة على الخصائص المعمارية للمباني، إلى جانب ربط الترميم بالمشاركة المجتمعية والتنمية السياحية والاقتصادية.

واعتبرا أن تجربة أشيقر توضح إمكانية إحياء المواقع التاريخية وتنشيطها اقتصادياً، مع المحافظة على أصالتها المادية وهويتها المحلية.

مبانٍ من القطيف في الصور

وضمّنت الدراسة ثلاث مجموعات من الصور التوثيقية لمبانٍ تاريخية في القطيف، أعدها الباحثان عام 2025، ونُشرت في الصفحات 593 و594 و595.

وأظهرت الصور مباني قديمة تتفاوت حالاتها العمرانية، بينها منشآت تبدو عليها مظاهر التصدع والتلف وفقدان أجزاء من عناصرها المعمارية.

واستخدم الباحثان هذه الصور في عرض طبيعة التراث العمراني المتبقي في القطيف، والحاجة إلى توثيقه وقياسه وفهم مكوناته قبل اتخاذ قرارات المحافظة عليه.

ولم تحدد الدراسة أسماء المباني الظاهرة في الصور أو مواقعها التفصيلية، كما لم تقدم إحصاءً جديداً لعدد المباني التاريخية المهددة في المحافظة.

الليزر لحفظ ذاكرة المباني

ودعا الباحثان إلى توظيف تقنيات المسح بالليزر والنمذجة ثلاثية الأبعاد ونظم المعلومات الجغرافية في توثيق التراث العمراني الساحلي.

وأوضحا أن هذه الأدوات تتيح تسجيل أبعاد المباني وتفاصيلها وموادها وحالات التلف فيها، وإنتاج نماذج رقمية يمكن الاستفادة منها في التخطيط لأعمال المحافظة والترميم.

وشددا على ضرورة الجمع بين التقنيات الحديثة ووسائل التوثيق التقليدية، مثل القياسات المباشرة والرسومات المعمارية والملاحظات الميدانية، حتى لا يتحول التوثيق الرقمي إلى مجرد إنتاج صور ونماذج جذابة تفتقر إلى التفسير التاريخي والعلمي.

واقترحا أن تكون القطيف نموذجاً لتطبيق هذه المنهجية، نظراً إلى ما تبقى فيها من مبانٍ تقليدية ونسيج عمراني تاريخي، رغم ما شهدته بعض المناطق من هدم وهجر وتغيرات عمرانية.

طلاب الجامعات شركاء

وأكد الباحثان أهمية إشراك طلاب العمارة والهندسة في أعمال التوثيق الميداني للمواقع التاريخية، باعتبارها فرصة للجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي.

وأشارا إلى أن مشاركة الطلاب في القياس والرسم والمسح تساعدهم على فهم مواد البناء التقليدية وطرق إنشائها ومظاهر تدهورها، إلى جانب تطوير مهارات العمل الجماعي والتواصل وتحمل المسؤولية تجاه التراث.

ودعوا إلى ربط الجامعات بالمجتمعات المحلية ومشروعات المحافظة على المواقع التاريخية، بما يسهم في إعداد جيل من المتخصصين القادرين على التعامل مع المباني التراثية وفق أسس علمية.

المحافظة قبل التجميل

وخلصت الدراسة إلى ضرورة تطوير منظومة متكاملة للمحافظة على التراث، تجمع بين الحماية التنظيمية والحوافز الاقتصادية ومشاركة المجتمع والتوثيق التقني.

وأكد الباحثان أن مشروعات إحياء المناطق التاريخية ينبغي أن تستند إلى الأدلة والوثائق ومواد البناء الأصلية، وأن تحافظ على الصلة بين المباني وسكانها، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج صور معمارية تستهدف الجذب السياحي أو التجاري.

ولم تتهم الدراسة أي مشروع محدد في القطيف بممارسة تزييف التراث، وإنما قدمت تحذيراً علمياً عاماً من هذه الظاهرة، مستندة إلى تجارب إقليمية، ودعت إلى الاستفادة من دروسها عند وضع خطط المحافظة على التراث الساحلي في المحافظة.

كما لم تعرض الدراسة نتائج مسح رقمي جديد أُنجز في القطيف، بل قدمت منهجية مقترحة للتوثيق والمحافظة، مدعومة بصور للمباني التاريخية ومراجعة للأبحاث والتجارب السابقة.

⸻

بطاقة الدراسة العلمية

العنوان بالعربية: أساليب المسح الذكي للمحافظة على التراث الساحلي في المملكة العربية السعودية: حالة القطيف.

العنوان الأصلي: Smart Survey Methods for Coastal Heritage Conservation in Saudi Arabia: The Case of Al Qatif.

الباحثان:

* دانييلي بياكو (Daniele Beacco).

* فرانشيسكا دال تشين (Francesca Dal Cin).

الجهة الأكاديمية: جامعة الأمير محمد بن فهد، الخبر، المملكة العربية السعودية.

سلسلة النشر: Materials Research Proceedings.

المؤتمر: Smart and Sustainable Architecture and Urban Resilience – SSAUR 2026.

تاريخ النشر: 5 أكتوبر 2026.

المجلد: 72.

الصفحات: 591–601، في 11 صفحة.

نوع البحث: دراسة تحليلية ومنهجية تعتمد على مراجعة الأدبيات العلمية ومقارنة تجارب المحافظة على التراث، مع صور توثيقية لمبانٍ تاريخية في القطيف.

أبرز موضوعاتها: أصالة العمارة التاريخية، مخاطر تزييف التراث، التوثيق الرقمي، المسح بالليزر، النمذجة ثلاثية الأبعاد، ومشاركة المجتمع والجامعات في المحافظة على التراث.

معرّف الدراسة (DOI): 10.21741/9781644904336-57

رابط الدراسة الكامل: https://d21zja6o12zyp0.cloudfront.net/9781644904336/57.pdf

إتاحة البحث: مفتوح الوصول وفق ترخيص CC BY 3.0.

ملاحظة تحريرية: التزمت المسودة بالنص الكامل للدراسة، وميّزت بين تقييم الباحثين لتجارب دبي والدوحة وأشيقر وبين توصياتهما الخاصة بالقطيف. كما تجنبت نسبة أي اتهام إلى مشروعات محلية لم تسمّها الدراسة. ويُفضّل استخدام إحدى الصور الثلاث الأصلية الواردة في البحث، مع الإشارة إلى مصدرها، بدلاً من صورة مولّدة.

بلدات:القطيف