الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

علم النفس يكشف.. كيف يشكّل الدين والقانون مفهوم الخير والشر؟

صُبرةالأربعاء 28 أكتوبر 2026، 2:15 م
علم النفس يكشف.. كيف يشكّل الدين والقانون مفهوم الخير والشر؟

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

بصفتها طالبة جامعية في علم النفس في جامعة ولاية بنسلفانيا، توصلت لاريسا سولومون Larisa Solomon إلى ملاحظة بدت لها وكأنها تعكس شيئًا عميقًا في علم النفس البشري، لكن دراسات علم النفس لم تتناول لماذا يقتل الناس بعضهم بعضا على أساس خلافات (أو اختلافات) دينية، فرغبت في معرفة السبب.

شرعت بعد ذلك في استكشاف عناصر هذه المسألة، حين كانت طالبة جامعية، ثم في الدراسات العليا في جامعة هارفارد، وحين انتقلت أستاذّا جامعيّا في جامعة كولومبيا. خلال وقت فراغها في كلية الدراسات العليا، درًست علم النفس في السجون، ما دفعها إلى إبراز اهتمام موازٍ بالجهاز القانوني.

تحدثت صحيفة أخبار جامعة كولومبيا مع سولومون لمناقشة الدراسات التي تناولتها طيلة حياتها البحثية وورقتها العلمية التي نشرتها في مجلة Child Development.

مترجم المقال عدنان الحاجي

ما مجال دراساتك البحثية بشكل عام؟

أنا مهتمة بطريقة تفكير الأطفال والراشدين (بسن 20 سنة وأكبر) فيما يتعلق بالخير والشر، (أو مفردات أخرى تحت مضمون هاتين المفردتين). بعض الابحاث التي أتناولها في مختبري تقع مباشرةً ضمن نطاق علم النفس الأخلاقي، وتطرح أسئلة مثل: كيف يفكر الناس في الخلافات الأخلاقية؟ أو ما الدور الذي تلعبه الأخلاق (1) في طريقة تفكيرنا في الهوية (2)؟ تناولت دراستي الجديدة أيضًا العلاقة بين الأخلاق ومنظومتين أخريتين – الدين والقانون – وننظر إليهما جزئيًا على أنهما منظومتان من أكبر المنظومات التي طورها الإنسان لتنظيم سلوكياته الأخلاقية. وهنا طرحنا أسئلة مثل مدى استجابة الأطفال والراشدين للناس الذين يختلفون في معتقداتهم الدينية عنهم وكيف ينظرون إلى المساجين من الناحية الأخلاقية.

أعطينا مثالًا على كيف تتناولين هذه الأسئلة بالدراسة؟

لقد بدأتُ فعلُا في استكشاف العلاقة بين الدين وعلم النفس عندما كنت طالبة دراسات عليا. ففي إحدى أوراقي البحثية (3) خلال تلك المرحلة، طرحتُ على أطفال في المرحلة الابتدائية أسئلة عن معتقداتهم الدينية، مثل: “هل يستطيع الله أن يأتي بالمعجزات، أم لا أحد يستطيع ذلك؟”. ثم سألتهم عن معتقدات أو تفضيلات أخرى لا تتعلق بالدين، مثل ألوانهم المفضلة. وأخيرًا، طلبتُ منهم تقييم السلوك الأخلاقي لأطفال آخرين. وتوصلتُ إلى أن الأطفال يميلون إلى الحكم بأن من يشتركون معهم قي المعتقدات الدينية يتصرفون على نحو أخلاقي، بخلاف من لا يشتركون معهم في معتقدات أو تفضيلات أخرى.

في ورقتين بحثيتين صدرتا مؤخرا، كنت مهتمةً بمعرفة إلى أي مدى يعتقد الأطفال (4) والكبار (5) أن طرح أسئلة تتعلق بالدين، مثل تساؤلهم عن قدرة الله على الإتيان بالمعجز هو تساؤل لا بأس به من الناحية الأخلاقية

توكّد بعض التقاليد الدينية، وخاصة بعض الطوائف المسيحية، بالفعل على قوة الإيمان والتصديق بتعاليم ذلك الدين، في حين تقدر بعض الديانات الأخرى، مثل اليهودية، بالفعل الأسئلة الفضولية والجدلية الخاصة بتلك الأسئلة التي هدفها الوصول إلى الحقيقة. لذلك اعتقدنا أن الناس من بعض الجماعات قد يرون الأسئلة الفضولية أكثر أخلاقية مما تراها جماعات أخرى.

ما وجدناه هو أن الناس يعتقدون أن الفضول أمر جيد بغض النظر عن خلفيتهم الدينية. والشخص الفضولي أفضل من الناحية الأخلاقية من غير الفضولي، سواءً أكان السؤال موجهًا إلى أطفال أم إلى كبار، وبغض النظر عن خلفيتهم الدينية.

لقد أجرينا دراسات أخرى لمعرفة الأسباب، ووجدنا أن الناس يقدرون بالفعل العمل الجاد والجهد المبذول. الذين يعملون بجد طيبون؛ وهذه هي طبيعة الفضوليين. وبالتالي فالفضوليون طيبون، وهكذا دواليك في مختلف الأديان.

ماذا تناولت ورقتك البحثية المنشورة مؤخرًا؟

تناولت هذه الورقة البحثية (6) رد فعل الناس عند ملاحظتهم شخصًا يساعد شخصًا آخر، مقارنةً بملاحظتهم شخصًا يتصرف بقسوة مع شخص آخر. وسعينا إلى معرفة ما إذا كان الناس أكثر فضولًا لمعرفة دوافع السلوكيات الطيبة والسلوكيات الدنيئة، وما العوامل التي تؤثر في هذا الفضول.

وقد وجدنا أن الفضول يختلف باختلاف السن؛ إذ يُظهر الأطفال الصغار رغبةً في فهم الدوافع التي تقف وراء السلوكيات الأخلاقية، سواء أكانت طيبة أم سيئة. فعلى سبيل المثال، يبدي الأطفال فضولًا لمعرفة سبب مشاركة أحد أقرانهم وجبةً خفيفةً مع طفل آخر، وهو سلوك طيب، وكذلك سبب ضرب أحدهم طفلًا آخر وإسقاطه أرضًا، وهو سلوك عدواني.

مع تقدم الناس في السن، وجدنا أنهم يصبحون أكثر رغبة في معرفة أسباب السلوكيات العدائية تجاه الآخرين، لكنهم أقل فضولًا لمعرفة أسباب السلوكيات الطيبة.

وقد يكون من الممكن الاستفادة من هذه النزعة إلى الفضول في الحد من الخلافات والخصومات، وإن كانت دراستنا لم تختبر هذا الاحتمال مباشرةً حتى الآن. وكما ذكرت سابقًا، نعلم أن الأطفال، منذ سن مبكرة جدًا، يميلون إلى الاعتقاد بأن الذين يختلفون معهم في المعتقدات الدينية أقل التزامًا بالأخلاق (أقل تحلّيًا بالأخلاق)، لا لأنهم كذلك بالضرورة، بل لأنهم ينظرون إلى معتقداتهم بوصفها معيارًا للحكم عليهم، فيربطون الاختلاف في المعتقد بالاختلاف في السلوك الأخلاقي.

ونعلم أيضًا أن الأطفال والراشدين على حد سواء ينظرون إلى الفضول بوصفه فضيلة أخلاقية. لذلك، إذا استطعنا تنمية فضول الناس لفهم أسباب تبنّي الآخرين معتقدات تختلف عن معتقداتهم، فقد يساعدهم ذلك على التخلي عن افتراض أن كل من يخالفهم في المعتقدات شخص سيئ، ويشجعهم، بدلًا من ذلك، على فهم وجهات نظر الآخرين.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عند التعامل مع أشخاص ينتمون إلى أقلية دينية في المجتمع، مثل المسلمين، الذين يعيشون في بلدان يشكّل المسيحيون فيها غالبية سكانه. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن أفراد الأغلبية قد يكونون أقل ميلًا إلى فهم معتقدات الأقليات الدينية واحترامها.، نظرًا إلى ما تتمتع به هذه الأغلبية من مكانة اجتماعية أعلى.

ما العوامل التي دفعتك إلى الاهتمام بالجهاز القانوني باعتباره موضوعّا للدراسة؟

عندما كنت طالبة دراسات عليا، تطوعت لنحو خمس سنوات في مؤسسة إصلاحية (سجن)، حيث درّست علم النفس لطلاب من السجناء. وقد لاحظت أن هذه التجربة تختلف تمامًا عن أي تجربة أخرى خضتها خلال دراستي العليا.

في بداية كل فصل دراسي، كنا نناقش تجربة سجن ستانفورد الشهيرة (7)، التي أنشأ فيها عالم النفس فيليب زيمباردو سجنًا وهميًا في قبو جامعة ستانفورد. وسرعان ما بدأ المشاركون الذين أُسندت إليهم أدوار الحراس في إساءة استخدام سلطتهم على المشاركين، الذين أدّوا أدوار السجناء. وكنت أستعين بهذه التجربة لفتح نقاش حول الأخلاقيات والسلوك العدواني.

وفي كل فصل دراسي، كان الطلاب يشعرون بالغضب بعد مناقشة التجربة، وسألوني: “لماذا أنشأ زيمباردو سجنًا وهميًا، بدلًا من التحدث إلى سجناء حقيقيين في سجن حقيقي؟ هنا سجناء محتجزون، ومع ذلك لا أحد يريد التحدث إليهم.

وقد دفعني ذلك إلى التفكير في طرح سؤال مهم: كيف يمكننا التوصل إلى استنتاجات عامة بشأن سلوك البشر ونفسياتهم، إذا أهملنا هذا الجانب من التجربة الإنسانية؟

هل عملت دراسات ركزت على سجناء في السجون؟

لم أبلغ هذه المرحلة بعد، لكنني بدأت أضع الأساس لها. وكما أشار طلابي، لم تصبح الأبحاث داخل السجون ممارسة شائعة حتى الآن، لذا فإن التوصل إلى مرحلة أتمكن فيها من إجرائها ستكون خطوة عملية مهمة.

في دراستي الأولى (4)، تناولت بالبحث نظرة الراشدين إلى النظام القانوني، من خلال استبانة عبر الإنترنت سألتهم فيها عن مدى اعتقادهم بأن بعض العوامل البيولوجية الداخلية تدفع الناس إلى ارتكاب الجرائم. وكلما تعمقت في التفكير في هذا الموضوع، ازداد اعتقادي بأن هذه العوامل ينبغي أن تؤخذ في الحسبان في حال تحديد العقوبات.

وفي الدراسة التالية (8)، سألتُ الأطفال عن أسباب اعتقادهم أن بعض الناس يُسجنون. ووجدت أنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن هؤلاء يُسجنون لأنهم أشرار، بدلًا من النظر في العوامل البنيوية الأوسع التي قد تسهم في ذلك، مثل انتماء الشخص إلى أقلية عرقية في مجتمع تسوده العنصرية، أو عدم امتلاكه المال الكافي لتوكيل محامٍ جيد.

والمقصود بالعوامل البنيوية الظروف والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية الأوسع التي قد تزيد احتمال تعرض بعض الناس إلى العنف أو الاستغلال، أو تحدّ من قدرتهم على الحماية من الإساءة (9).

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1- https://ar.wikipedia.org/wiki/أخلاق

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/هوية

3- https://columbiasamclab.weebly.com/uploads/5/9/0/6/59061709/heiphetz_spelke_banaji_2014_social_cognition.pdf

4- https://columbiasamclab.weebly.com/uploads/5/9/0/6/59061709/mosley_white_solomon_2024_child_development_unformatted.pdf

5- https://columbiasamclab.weebly.com/uploads/5/9/0/6/59061709/white_mosley_solomon_2024_spps_unformatted.pdf

6- https://columbiasamclab.weebly.com/uploads/5/9/0/6/59061709/yonas_solomon_in_press_child_development.pdf

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/تجربة_سجن_ستانفورد

8- https://columbiasamclab.weebly.com/uploads/5/9/0/6/59061709/dunlea_wolle_heiphetz_2020_jcd.pdf

المصدر الرئيس

https://news.columbia.edu/news/seeking-insight-how-children-and-adults-understand-right-and-wrong